كرة القدم.. عدو العروبة القادم

سبق أن تناولت موضوع الصعود المثير للعبة كرة القدم على المستوى العالمي، حيث أصبحت اللعبة بعد انتشار الفضائيات والقنوات الرياضية المتخصصة، محط الاهتمام الأول لجماهير العالم، وبسبب أن اللعبة أصبحت مربحة للنوادي المختلفة، فقد تحولت إلى صناعة شبه عالمية، ترصد لها الميزانيات الضخمة لجذب أفضل العناصر إلى صفوف النوادي سعيا وراء التوزيع الأكبر للسلعة (خدمة مشاهدة اللعبة من قبل مستهلكيها من المشتركين في القنوات المتخصصة)، أو السلع المكملة لها (خدمات الإعلان المختلفة، سواء عند إذاعة المباريات، أو في فناء الملاعب، أو حتى على ملابس اللاعبين)، وقد بلغت أسعار اللاعبين مستويات غير معقولة، سبق أن أطلقت عليها عبارة بالون أسعار لاعبي كرة القدم. حيث يتجاوز حاليا سعر بعض اللاعبين 100 مليون دولار.
نحن أمام صناعة لا يمكن وصفها بأنها هينة، بل بالعكس، أعتقد أننا أمام صناعة عولمية، حيث أصبح مشجعو النوادي لا يقتصرون على النوادي المحلية، وإنما امتد تشجيعهم أيضا للنوادي الدولية، مثل الأرسنال، وبرشلونة، ومانشستر يونايتد... إلخ. كنا نقرأ عن هذه النوادي قبل انتشار الفضائيات الرياضية، في الصحف فقط، أما الآن فقد انتشر مشجعوها في أنحاء العالم كافة، وهم، بفضل التكنولوجيا، يحرصون على متابعة مبارياتها بصورة يومية. أكثر من ذلك أصبحت «فيفا» منظمة ذات أهمية عالمية، وأصبح رئيس «فيفا» شخصا مهما للغاية، يستقبل استقبالا رسميا مثلما يتم استقبال رؤساء الدول. وأصبحت المسابقات التي تنظمها «فيفا» هي أهم المسابقات الرياضية في العالم.
لم أكن أعلم أن لعبة كرة القدم خطيرة إلى هذا الحد حتى بدأ الإعداد لنهائيات كأس العالم بين مصر والجزائر الشقيقتين العربيتين، والأحداث المؤسفة التي تبعت اللقاءات في الجزائر والقاهرة والخرطوم. حيث تحولت المباريات إلى شبه موقعة حربية بين البلدين، يتم تجييش الجيوش من المشاهدين، واستخدام الطائرات الحربية لنقل المشجعين من أجل حضور الموقعة. بل لقد تطور الأمر بأن أصبح الاستعداد للمباراة يقتضي، ليس فقط حجز تذكرة لحضور المباراة، وإنما ضرورة التسلح بكل ما يمكن للفرد حمله من أسلحة بيضاء، حتى هذه اللحظة، وربما بالأسلحة الآلية لاحقا، لإرهاب الطرف الآخر.
ما إن انتهت الأحداث المؤسفة، حتى انبرى إعلام البلدين في حملات منظمة ضد الآخر، ووصف الآخر بأقذع الصفات، خارج حدود ما اعتاده الخطاب الإعلامي بين البلدين، وبالشكل الذي قضى تماما على أي أواصر للأخوة أو المحبة بين 140 مليون شخص، هم النسبة الأكبر من السكان العرب، حيث انتهى الأمر باستدعاء سفيري البلدين، في أخطر أزمة سياسية بينهما. والحمد لله أنه لا يوجد بين البلدين حدود جغرافية، وإلا ربما شهدنا موقعة الخرطوم تتحول إلى موقعة عسكرية حقيقية بين جيشي البلدين. ولا أعتقد أن البلدين من الآن فصاعدا يصلحان لأن يتباريا في أي مسابقة مقبلة لكرة القدم بينهما.
باختصار شديد، كرة القدم، والإعلام الرخيص، والغوغاء، قضت في أيام معدودة على أواصر عميقة تكونت عبر مئات السنوات للأخوة والمحبة والنسب بين بلدين شقيقين. ولا أعتقد، بالنظر إلى حجم الحملات الإعلامية في البلدين، ومدى الكره العميق الذي أصبح سكان البلدين يحمله بعضهم لبعض، على الأقل بين العامة من سكانهما، إن الأمور ستعود إلى ما كانت عليه قبل التصفيات اللعينة لكأس العالم بين البلدين، في الأجل القصير أو ربما في المدى المتوسط.
من الواضح أن التعصب الشديد للعبة كرة القدم، أصبح يشكل قنبلة موقوتة يمكن أن تنفجر في أي لحظة بين بلدين شقيقين من بلاد العرب، لكي تأتي على الأخضر واليابس من علاقات المحبة والأخوة والصداقة بينهما. في رأيي بعد ما شاهدت هذا الصراع الكريه على هذه اللعبة التي أصبحت أكرهها، أن كرة القدم مرشحة وبجدارة لأن تصبح العدو الأول المقبل للعروبة والانتماء إليها، وهي مصدر كامن من الدرجة الأولى للفتنة بين الأخوة في العروبة والدين. بل إنها أصبحت تمثل تهديدا يفوق ما تمثله إسرائيل من تهديد حاليا بالنسبة للعرب، بل من الممكن أن تفعل بنا، ما لم تستطع أن تفعله إسرائيل منذ نشأتها حتى الآن. ولا أستبعد أن توجه إسرائيل من الآن فصاعدا هذا السلاح الفتاك إلى صدورنا. ففي مصر مشجعون كثيرون للعبة وفي السعودية كذلك، وفي الكويت هناك مشجعون للعبة، وفي البحرين كذلك، وفي قطر، وفي عمان كذلك، شعوب هذه الدول يمكن أن تخسر علاقاتها الأخوية، في لحظة ضعف أمام نتيجة مباراة للعبة خائبة.
أعتقد أنه أصبح من الضروري الآن الإسراع بضرورة مواجهة ظاهرة التعصب الكروي المقيت، وعلى أعلى المستويات وبجميع السبل الممكنة، بدءا من الحضانة وعلى جميع الأصعدة الإعلامية ووسائل الاتصال الجماهيري، كي يحافظ العرب على وحدتهم، قبل أن تسلبهم إياها لعبة رخيصة.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي