تعطيل تطوير العلوم الاجتماعية.. في جامعاتنا السعودية!
في عصر التكنولوجيا التي اجتاحت حياتنا وأصبحنا أسيري هذه التكنولوجيا، فإن جامعاتنا السعودية كغيرها من الجامعات في كل دول العالم لم تعد تأبه بالعلوم الاجتماعية.
ولذلك نجاهر بما حققناه من إنجازات في مجال التكنولوجيا والطب والهندسة والحاسب والعلوم، أمّا العلوم الاجتماعية كالاقتصاد والإدارة والاجتماع والتاريخ والجغرافيا والفلسفة والمنطق.. رغم أهمية هذه العلوم في بناء إنسانية المجتمع، فإن جامعاتنا مع الأسف تعتبرها خياراً ثانياً وربما عاشراً بعد خيار العلوم والتقنية.
إذا كنا نهتم كثيراً بالعلوم والتكنولوجيا فهذا شيء مطلوب ومرغوب وطبيعي في هذا العصر الذي نعيش وتحيطنا التكنولوجيا من كل جانب، ولكن غير الطبيعي هو أن نتجاهل العلوم الاجتماعية ونعتبرها من نوافل العلوم.
نحن في ظل التغيرات الاجتماعية والاقتصادية التي تجتاح المجتمع السعودي في هذه الأيام أحوج ما نكون إلى إعادة دراسة المجتمع السعودي، لأن عدم وجود دراسات علمية تبحث في سلوكيات مجتمعنا يعرض المجتمع إلى مزيد من التوحش والانحراف، هناك مثلاً ظواهر عديدة طرأت على مجتمعنا السعودي المسلم مثل ظاهرة الإرهاب وظاهرة المخدرات وظاهرة السرقة وظاهرة الطلاق وظاهرة زنا المحارم وظاهرة الاعتداء على الوالدين وغير ذلك من الظواهر الغريبة على مجتمعنا.
ونستطيع القول إن الجامعات السعودية لم تضف جديداً قط إلى العلوم الإنسانية، فنحن كنا وما زلنا متلقين لهذه العلوم ولسنا مساهمين أو مشاركين في تأسيسها وبناء نظرياتها، ولذلك إذا أغفلت مراكز الأبحاث تطوير هذه العلوم، فإن الجامعات السعودية بالتبعية ستغفل هذه العلوم.
ولقد أثبتت التجارب إن هذا الاستوحاش ضد العلوم الإنسانية خطأ فادح، لأن العلوم الاجتماعية (حتى وإن كنا في عصر التكنولوجيا) لا تقل أهمية عن علوم التكنولوجيا، بل إن علوم التكنولوجيا لن تأخذ طريقها إلى أي مجتمع إلاّ من باب العلوم الاجتماعية، وإذا كانت التكنولوجيا يصنعها الإنسان من أجل الإنسان، فلماذا ننسى إنسانية الإنسان!
ونستطيع القول إن نمط السلوكيات مقدمة مهمة للتفاعل مع التكنولوجيا، وإن الجانب الإنساني في أي مجتمع هو جزء أساسي في عملية نشر التكنولوجيا في أي مجتمع من المجتمعات العالمية.
ورغم أننا نعيش بالفعل في عصر العلوم والتكنولوجيا إلاّ أن التكنولوجيا لم تمنعنا من الاهتمام بتطوير العلوم الاجتماعية، بل على العكس فإن علوم التكنولوجيا تطالبنا بضرورة مواكبة العصر وتطوير العلوم الاجتماعية حتى تتناغم مع ما يحدث من تطورات مادية لإنسان القرن الـ 21.
لنأخذ علم الاقتصاد على سبيل المثال، إن الأزمة المالية العالمية وضعت هذا العلم أمام مسؤولية التورط في أزمة عالمية ضيعت مليارات الدولارات على الاقتصاد العالمي، وبعضهم اتهم علم الاقتصاد بأنه علم قاصر ليس لديه أدوات فعالة يعالج بها هذه الكارثة. وقال المنتقدون لعلم الاقتصاد: إن الحرية الفردية كأساس من الأسس التي يتغنى بها نظام السوق لا تتوافر عملياً لكل فرد من أفراد المجتمع، فحرية المستهلك في اختيار السلع والخدمات مجرد شعار لا يمكن تحقيقه في الواقع، لأن حجم الدخل الفردي هو الذي يتحكم في اختيار السلع والخدمات التي تستطيع الحصول عليها طبقة الأغنياء ويحرم منها الفقراء، ومن ناحية ثانية فإن حرية الفرد في اختيار نوع العمل الذي يريد ترتبط بتكافؤ الفرص أمام الجميع سواء في الحصول على المؤهلات العلمية والخبرات الفنية أو في تحديد شروط عقد العمل، كما أن أصحاب الدخول الكبيرة هم عادة الطبقة القادرة على تكوين المدخرات الكبيرة والتي يستخدمونها لامتلاك المزيد من الثروات، وطبعاً يترتب على ذلك زيادة في حدة التفاوت بين طبقات المجتمع، كما إن علماء الاقتصاد لم يتوصلوا حتى الآن إلى قانون يحقق العدالة في التوزيع، وهي المشكلة الأكبر التي تتضور منها المجتمعات في كل مكان من العالم.
أمّا إذا تطرقنا إلى علوم مثل علم الاجتماع وعلم النفس وعلوم الجغرافيا والتاريخ، فإننا نجد أن الجامعات السعودية ليس لها دور في تأسيس هذه العلوم أو المساهمة في تطويرها، وما يفعله علماؤنا ــ مع الأسف الشديد ــ هو التغني باسم عبد الرحمن بن خلدون ويرددون دائماً مقولة إنه المؤسس الأول لعلم الاجتماع ولا يزيدون على ذلك، ومع الأسف أنه منذ أن انتقل ابن خلدون إلى الرفيق الأعلى لم يضف علماؤنا إلى علم الاجتماع شيئاً جديداً، ومضينا فقط نغني لابن خلدون ونتغنى باكتشافاته العلمية الرائدة التي بهر بها العالم منذ مئات السنين. أكثر من هذا فحينما نأتي إلى علم التاريخ نجد أنفسنا قد اقتربنا من ابن خلدون مرة أخرى ورفعنا لافتاته وخلدناه كعالم تاريخ وباني أول نظريات التاريخ والعمران.
وإذا كانت السعودية قد جاءت اليوم لتقف في مقدمة الصفوف وتعلن إنشاء جامعة الملك عبد الله بن عبد العزيز للعلوم والتقنية كجامعة فريدة ومتخصصة وعالمية، فإن الوقت مناسب جداً كي تنهض كليات الآداب في جامعاتنا وتعلن عن مشاريع تؤكد بها مدى مساهمتها في تطوير علوم الاجتماع وعلوم الإنسانيات جميعها.
وبهذه المناسبة فقد أنحى المؤرخ الأستاذ علي العميم باللائمة على المؤرخين السعوديين في حوار أجري معه ونشر في ''الاقتصادية'' في 14 تموز (يوليو) 2009، وأنا بدورى أنحي باللائمة على الأستاذ علي العميم وأسأله: لماذا لم تقد أنت القافلة وتأخذ بيد زملائك إلى بناء منهج جديد لكتابة التاريخ الإسلامي والتاريخ العربي، وقبل ذلك كتابة التاريخ السعودي.
أقول إذا كنا نطلب من المتخصص علي العميم أن يتقدم المؤرخين لتجديد كتابة التاريخ، فإننا نطالب كل مفكر سعودي في مجال العلوم الاجتماعية أن يتقدم ليقدم الجديد إلى العلم الذي يتخصص فيه.
إننا أحوج ما نكون إلى إنشاء جامعة تتخصص في النهوض بالعلوم الاجتماعية تماماً كما أنشأنا جامعة تتخصص في العلوم والتكنولوجيا.