صناعة التكرير النفطي بعد الركود الاقتصادي: الطاقات الفائضة عرضة للإغلاق

واقع الطلب العالمي على النفط تغير تغيرا جذريا نتيجة الأزمة الاقتصادية العالمية، حيث تراجع الطلب العالمي على النفط بنحو 2.0 مليون برميل يوميا خلال عامي 2008 و2009. هذا الانهيار في الطلب العالمي على النفط، حول سوق المنتجات النفطية من حالة النقص المزمن في المنتجات المكررة إلى حالة من وفرة الطاقات الإنتاجية الفائضة وتزايد المنتجات النفطية في الأسواق العالمية وارتفاع مستوى المخزون. كل هذا حصل خلال أشهر قليلة فقط. والواقع الجديد هنا هو أن هذا الركود وانهيار الطلب على المنتجات النفطية حدث ليس فقط في البلدان التي بدأت فيها الأزمة الاقتصادية، مثل الولايات المتحدة وأوروبا واليابان، ولكن حصل أيضا في البلدان ذات الاقتصادات النامية وخصوصا الصين وبعض دول الشرق الأوسط المصدرة للنفط، التي سبق أن أسهمت في معظم النمو في الطلب العالمي على النفط. حدث هذا في الوقت الذي أضافت الصناعة التحويلية طاقات تكريرية جديدة، من المتوقع أيضا إضافة طاقات جديدة أخرى في السنوات المقبلة.
إن وتيرة النمو المتوقع في الطلب العالمي على النفط بعد تعافي الاقتصاد العالمي من الركود ستؤثر بشكل خاص في صناعة التكرير. النمو في الطلب العالمي على النفط من المتوقع أن يعود في عام 2010، لكنه لن يكون كافيا لتقليص الطاقات الإنتاجية الفائضة في صناعة التكرير العالمية, حيث إن المصافي الجديدة والتوسعات الكبيرة، التي خطط لها أثناء فترة ازدهار الأسواق النفطية التي سبقت الأزمة عندما كانت هوامش الربح عالية جدا، ستعوض عن كل أو معظم النمو في الطلب خلال العامين المقبلين. عليه الطاقات الاحتياطية العالمية ستبلغ في المتوسط ما يزيد على ستة ملايين برميل يوميا في عام 2010، وهو مستوى لم تشهده الأسواق منذ نحو 20 عاما. نتيجة لذلك من المتوقع أن تستمر هوامش أرباح عمليات التكرير العالمية عند مستوياتها المتدنية الحالية. لذلك سيكون استئناف النمو في الطلب العالمي على النفط ضروريا إذا ما أريد تقليص الطاقات الإنتاجية الفائضة الحالية وعدم ارتفاعها بدرجة أكبر.
في أعقاب الكساد الاقتصادي، الطلب العالمي على النفط وصل الآن إلى القاع، والنمو الآن متوقع في الربع الأخير من هذا العام استمرارا إلى العام المقبل. الطلب على النفط، خاصة في دول العالم النامي، بدأ بالتعافي على الرغم من ضعف النمو الاقتصادي العالمي. الصين ودول الشرق الأوسط من المتوقع أن تقود الانتعاش في الطلب العالمي على النفط، حيث تتوقع معظم الدراسات في هذا المجال نمو الطلب فيهما بنحو 350 ألف برميل يوميا و200 برميل يوميا في المتوسط، على التوالي، في عام 2010، عموما نمو الطلب العالمي على النفط من المتوقع أن يصل إلى نحو مليون برميل يوميا أو أقل بقليل. بالتأكيد تعتبر هذه التوقعات مشجعة لقطاع التكرير بعد عامين متتاليين من انخفاض الطلب، هذا النمو إلى حد ما مقبول مقارنة بمتوسط معدل مستوى النمو التاريخي في الطلب على النفط. لكن العودة إلى مستوى الطلب عام 2007 ليس متوقعا قبل عام 2011.
ما لم يشهد الطلب على النفط زيادة كبيرة على مدى السنوات القليلة المقبلة، مكررا على سبيل المثال، النمو الكبير الذي شهده العالم في عام 2004 عندما ارتفع الطلب بنحو ثلاثة ملايين برميل يوميا. الزيادة المتوقعة حاليا لن تكون كافية للحد من الكميات الكبيرة من الطاقات الإنتاجية المتوافرة حاليا في الأسواق العالمية, ذلك لأن مجموع الإضافات الجديدة من طاقات التكرير خلال السنوات المقبلة من المتوقع أن تعوض عن كل أو معظم النمو في الطلب لعدة سنوات مقبلة، كما أسلفنا, حيث إنه حسب توقعات النفط العالمية لمنظمة أوبك 2009، بحلول عام 2015 من المتوقع أن يضاف نحو ستة ملايين برميل يوميا من الطاقات التكريرية الجديدة إلى المصافي من المشاريع القائمة حاليا، نحو 50 في المائة من هذه الطاقات الجديدة من المتوقع أن تضاف في آسيا، وخصوصا في الصين والهند, إضافة إلى الطاقات التكريرية، من المتوقع أن تتم إضافة نحو خمسة ملايين برميل يوميا من الطاقات التحويلية Conversion Capacity، ما يزيد على ستة ملايين برميل يوميا من طاقة إزالة الكبريت في جميع أنحاء العالم في الفترة من 2009 إلى 2015. إذا كان نمو الطلب على النفط أقل مما متوقع، يمكن للطاقات الإنتاجية الفائضة أن تزداد بصورة أكبر.
النتيجة المحتملة لهذه الاتجاهات هي أن كميات كبيرة من الطاقات الإنتاجية التكريرية الحالية غير القابلة على المنافسة تجاريا سيتم إزالتها تدريجيا, وقد تكون عرضة للإغلاق الدائم. في الواقع، عملية الترشيد هذه في صناعة تكرير النفط العالمية قد بدأت بالفعل, حيث إن أكثر من نصف مليون برميل يوميا من الطاقات التكريرية في أوروبا، أمريكا الشمالية، واليابان قد توقفت بالفعل عن العمل لأجل غير مسمى على مدى الشهور العديدة الماضية حسب إحصائيات دول منظمة التعاون والتنمية، هناك المزيد من الإغلاق من المرجح أن يتم الإعلان عنها في عام 2010.
إذا ما أراد قطاع الصناعة التحويلية تقليص الطاقات الإنتاجية الفائضة إلى ما يقرب من ثلاثة ملايين برميل يوميا، أي العودة إلى المستوى التي كانت عليه في بداية عام 2004، هذا يعني أن أكثر من ثلاثة ملايين برميل يوميا من الطاقات الحالية يجب إغلاقها بالكامل، هذا يمثل، على سبيل المثال، إغلاق نحو 15 مصفى تقريبا بطاقة 200 ألف برميل يوميا لكل منها.
إن مصافي التكرير في دول منظمة التعاون والتنمية هي الأكثر عرضة للإغلاق من غيرها، حيث إن معظم الإغلاق من المحتمل أن يحدث في أمريكا الشمالية، أوروبا واليابان بشكل خاص, ذلك لأن توقعات الطلب على النفط البعيدة المدى في دول منظمة التعاون والتنمية لا يزال ضعيفا, حيث إن التحسينات المستمرة لتحقيق الكفاءة في قطاع النقل والمواصلات، وبطء النمو السكاني والاستعاضة عن النفط بالوقود الحيوي والغاز الطبيعي سيؤدي إلى استقرار الطلب على النفط فيها على المدى الطويل.
إضافة إلى ذلك العديد من مصافي التكرير في هذه الأسواق يتعرضون بوجه خاص، إلى ضعف أساسيات إمدادات البنزين - والطلب عليه في حوض الأطلسي. علاوة على ذلك ، فإن النمو المطرد في إنتاج الايثانول في كل من: أمريكا الشمالية وأوروبا سيقلل الحاجة إلى البنزين ذات الأساس النفطي. كما أن النمو الكبير في الطاقات التكريرية في دول العالم النامي لتحقيق الاكتفاء الذاتي أو التصدير يعتبر وسيلة ضغط كبيرة على قابلية مصافي دول منظمة التعاون والتنمية على التنافس في هذا المجال. على الرغم من أن مصافي التكرير في أمريكا الشمالية، أوروبا واليابان من المرجح أن تستحوذ على القسم الأكبر من الترشيد والإغلاق، إلا أن المصافي غير الكفؤة في أماكن أخرى من العالم قد تكون معرضة للإغلاق أيضا. الحكومة الصينية، على سبيل المثال، أبدت رغبة في إغلاق عديد من المصافي الصغيرة البسيطة التي لا تتجاوز طاقتها 20 ألف برميل يوميا. كما أن العديد من شركات تكرير النفط الروسية يمكن أيضا أن تجد من الأجدى اقتصاديا لها بكثير الحصول على طاقات التكرير من أوروبا وإغلاق طاقتها القديمة الأقل كفاءة، والإبقاء فقط على المصافي الكبيرة الأكثر تنافسية لتغطية الطلب المحلي.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي