رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


منطقتنا من عبد الناصر إلى الخميني

أصبح هذا الجزء من العالم محل تساؤل مشروع حول عدم قدرته على اجتياز المرحلة التاريخية: القدرة على اللحاق بمصاف الدول المتقدمة. يذكر برنارد لويس، على سبيل المثال، أنه منذ سقوط بغداد على يد المغول والمنطقة في بحث عن نفسها ولكنها لم تستطع القيام من تلك الكبوة. بزغت شرارة بدخول نابليون لمصر وجهود محمد علي، ولكن سرعان ما تلاه من خوار إلى أن وصلت مصر إلى شعارات عبد الناصر بالقومية الرنانة والتي سرعان ما أجهضت بهزيمة 67 التي تعدت الخسارة الجغرافية والمادية إلى أن وصلت إلى هزيمة التيار القومي. تلا ذلك حراك ديني وصل قمته في سقوط إيران كإحدى أهم دول المنطقة في قبضة السلطة الدينية. الواضح من تجربة إيران على مدى العقود الثلاثة الماضية أن هناك فشلا واضحا في تحقيق طموح الشعب الإيراني للحاق بالعالم الحديث. وما هذه الإرهاصات الأخيرة في إيران إلا دليل واضح على حالة من التململ من فشل هذا النموذج. مصر وإيران لديهما الحجم السكاني والتاريخ والثروات الطبيعية ولكن هذه لم تشفع لهما بالنجاح.
لعل العامل المشترك بين التجربتين هو ذلك النهج المبني على أدلجة نظام الحكم بعيدا عن الاستحقاقات العملية المباشرة ذات العلاقة بحياة الناس. فالأيديولوجيا والعاطفة عملية لجمع الناس والتعبئة وحتى تأطير الهوية في الجسم السياسي ولكنها ليست برنامج عمل ولا خطة تنموية وهي بالتالي لا تملك السيطرة على أفئدة الناس لمدة طويلة. فما أشبه الليلة بالبارحة فتش العرب، وخاصة المصريين، عن أداء الناصرية فلم يجدوا غير الخطابات الرنانة والعواطف الجياشة ولكن الأرض ضاعت والشعب ازداد فقرا، والإيرانيون صبروا على القيادات الثورية ولكن أتت النتائج مخيبة للآمال حتى الآن.
لعل آخرين يقولون إن الإرث التاريخي له تبعات وتراكمات لا تواكب الحاجة إلى المرونة والنظرة المستقبلية التي قد يكون التاريخ فيها عامل عبء يحول دون التقدم، كما أن أدبيات الاقتصاد اليوم تؤكد أنه ليس هناك من علاقة واضحة بين التنمية والحجم والتاريخ. الرؤية والإرادة والفعالية والإدارة عوامل لا تحتكم للإرث التاريخي أو حتى المعطيات المادية.
أحد إفرازات البعد الأيديولوجي أن هناك مَن يقول إن الإرث الأيديولوجي العميق في المنطقة يخلق للكثير مهربا نفسيا مريحا من خلال الاتكال على الغيبية أو انتظار المنقذ أيا كانت صورته. وبالتالي تستغل النخب السياسية هذا البعد النفسي في بيع البضاعة الأيديولوجية أكثر من مرة. التهرب من استحقاقات البناء يخلق هشاشة في النماذج الاجتماعية السياسية المبنية على المراحل الأخيرة للعصر الأيديولوجي. فتبقى الشعارات والأحلام والمصالح الضيقة والحكم المجرد لتملأ الساحة المجتمعية وتُبعد السياسات البناءة. يكون علاج الأزمة في التواضع والنزول إلى مستوى الحلول الأرضية البسيطة ثم الارتقاء في سلم الرغبات المجتمعية في نواحي الحياة كافة.
تجريبيا، الحضارة خلاصة تجربة الجميع ولكن آخر نسخة غربية. إلا أن التجربة الغربية قد لا تكون نبراسا لنا لعدة أسباب، منها الوقت الذي أخذته هذه التجربة: فالتطور الاجتماعي السياسي سبق الثورة الصناعية، ولذلك يصعب علينا أن نتخيل أن نأخذ بهذا النسق، فلا الوقت يسمح لنا ولا يمكن إعادة نسيج المكون الثقافي الغربي. لعل المثال الأبرز هو دول شرق آسيا وهذه في غالبها لم تسمح بأدلجة العمل التنموي وإن استخدمت الأيديولوجية للتعبئة والتماسك الوطني مثل الصين. لا تزال الصين تتمسك بالإطار التعبوي ولكن الممارسة الفعلية واضحة: برامج اقتصاديات تنموية شاملة وطموحة وتقاس موضوعيا ودوريا ولا تتسامح مع المقصر.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي