الرحبي: التبشير السياسي نوع من الأدب التعبوي والتبشيري لا يمت إلى جوهر الإبداع الحقيقي
عرفه الشعر مبكرا فأهدى إليه من ذاته, وغرته الطرقات طويلا فأدمن الترحال وصار السفر عنوانه، فترك على قصائده طوابع بريد خلقت ملامح منفردة على شعرية لغته. له جذور ثابته في الشعر واسم لا ينسى في الحياة الثقافية الخليجية والعربية. هو الشاعر الذي جمع في عناوينه تضاريس الحياة, مرة جبال ومرة صحاري الربع الخالي وفي كفة أخرى قوس قزح وقطار! المشارك النشيط في عديد من الفعاليات كان آخرها كونه أحد أعضاء لجنة التحكيم في مسابقة بيروت 39 الإبداعية هذا العام، هو سيف الرحبي رئيس تحرير مجلة «نزوى» الثقافية الفصلية العُمانية. كان لـ «الاقتصادية» معه الحوار التالي:
انتقالات متعددة (بيروت ـ دمشق ـ القاهرة ـ باريس), ما أثر هذه التنقلات في شعر الرحبي؟
حدث هذا منذ زمن بعيد. كل مدينة من هذه المدن التي ذكرتِ، عشت فيها برهة زمنية معينة بمعطياتها الثقافية والسياسية والحياتية، فالقاهرة كانت بمثابة التشكل الأول وكانت المرحلة الدراسية منذ المدرسة الإعدادية وحتى الجامعية ومن ثم انفتح المشهد على مدن وأصقاع كثيرة منها تلك المدن التي أشرت إليها, التي أُدين لها بالكثير من تكويني الثقافي والممارسة الحياتية والإبداعية، رغم السياق الصعب لحياة تلك المرحلة من الناحية المعيشية وانعدام الاستقرار، حيث إن المرء يحس أنه في قلب عاصفة متنقلة، لكن الإحساس بالحرية وبتحقيق بعض الحلم الإبداعي كان عالياً وهذا في حد ذاته مصدر غبطة واطمئنان يعوض عن الشقاء الآخر.
تقول «الأدب يأتي من المأساة وليس التبشير والسعادة» ألا يوجد أبدا أدب سعيد متفائل, هل تبنى النصوص على الواقع فقط أو أنه لا مجال لخيال أسعد في الأدب؟
دائماً الأدب والكتابة الشعرية والإبداعية عامةً تنفجر من المأساة وأسئلة الوجود ومن خضّم الحياة ومصاعبها ومشاقها. هذا هو الأدب عبر إنجازاته في تاريخه الطويل. منذ العصور البعيدة فلا نكاد نعثر على نص يقول الفرح بوضوحه وبساطته بعيداً عن المعترك المأساوي للحياة والموت إلا ربما نصوص نادرة مثل نشيد الإنشاد. يبدو أن السعادة ليست بحاجة إلى توثيق فهي إنجاز في حد ذاته وتحقق حلما يصبو إليه البشر كافة، وإن لم يجدوه. أما التبشير الأدبي فهو موجود على نحو ما في الأدب العربي وغيره، التبشير السياسي الذي يقول الشعار واليقين والحقيقة بوضوحٍ لا لبْس فيه، لكني أتصور أن هذا النوع من الأدب التعبوي والتبشيري لا يمت إلى جوهر الأدب الحقيقي بصلة وثيقة، فهو أقرب إلى المنشور السياسي والديني الذي يمكن الاستغناء عنه في مقالٍ سريعٍ، لكن أستعجل القول إن ذلك الأدب المنحدر دائماً من المأساة والألم والحزن إذا كان أصيلا وحقيقياً يمكنه أن يخلق جواً من الفرحِ والبهجة والسمو، رغم مأساويته وربما بسببها فهو يتضمن هذه السمة التطهيرية كما يتضمن المفارقة.
ما سر بروز المكان في شعرك؟ رغم أنه عنصر أهم في السرد وليس الشعر؟
المكان منذ بدايتي الشعرية والكتابية عامة شكل حجر الزاوية الأساس في البناء الشعري وفي إنجاز النص. والمكان الذي أقصده لا بد مخترق بوجوه وحيوات حاضرة وتلك التي لفها الغياب بعباءته الكثيفة. ربما لأنني انفصلت مبكراً عن بلدي الأول وعائلتي وسِحتُ في أماكن كثيرة، ما شكل المكان عندي ذلك الهاجس المقلق والمؤلم، سواء المكان في منحاه الحسي المتعين أو في منحاه الميتافيزيقي بعيد المنال. وهو (المكان) ينهض في الشعر كما في السرد كثيمة أساسية كل بأسلوبه ووسائله التعبيرية. وكثيرا ما يخترق السرد الشعر والعكس أيضاً صحيح في تجارب تنبنى على الهجانة والتعدد التعبيري محاولة أن تصوغ تجربتها الخاصة الأكثر حرية ورحابة بعيداً عن التصنيفات المدرسية الصارمة والمغلقة .
يقول الشعراء (الشعر هو ذاكرة العرب), هل ما زال الشعر ذاكرة العرب، رغم اختلاف المستوى وطفرة السرد؟
مهما تقدمت الفنون الأخرى على مستوى الثقافة العربية وفي مقدمتها السرد يظل الشعر المؤشر الأساسي لهذه الثقافة. ومن غير اصطناع ثنائي لا قيمة له، تطور هذا الفن لا بد أن يثري الآخر عبر حوار الكتابة والرؤى الخلاقة.
كثير من الشعراء تحولوا للسرد، هل هذا التحول مبني على رغبة مجاراة الفيضان السردي والرغبة في الظهور؟ هل يفكر الرحبي أن يصبح روائيا أو قاصا؟
منذ بداياتي كتبت نصوصاً سردية متساوقة مع الكتابة الشعرية، فكتابي «الجبل الأخضر» بداية الثمانينيات كان كتاباً مزدوجاً شعراً وقصةً وما يشبه ذلك، وبقيت وفياً لهذه التجارب، حيث يختلط الشعر بالسرد في مشهدية بصرية ولغوية تتوسل الاتساع والانفتاح، والأسلوب في النهاية يأتي تلبية للمتطلبات النفسية والروحية المحتدمة في الداخل لتعبر عن ذاتها بتعبيرات مختلفة وليس مجاراة لأحد أو لفن ما أخذ بريقاً أكثر من غيره في هذه المرحلة.
شعراء جيلك كانوا محاطين بخيبات وقضايا قومية خطيرة, ومع ذلك لا تبرز هذه الأجواء في شعرهم، بل اتجه الشعراء إلى الذاتية الشديدة.. لماذا في رأيك؟
لا أعتقد إطلاقا أن (الذاتي) يتناقض مع العام والموضوعي وأن الكتابة الشخصية تتناقض مع التاريخ، بل بالعكس، هناك ذلك الاشتباك العنيف بينهما الذي لا فكاك منه مع أي كاتب أصيل بالمعنى الإبداعي للكلمة، فلا يمكن لشاعر أو كاتب من هذا القبيل حتى ولو بلغ أقصى مناحي الذاتيّة كما عبرتِ إلا أن يتماهى مع التاريخ والشقاء الإنساني بصورة عامة، وطبعا بالدرجة الأولى في سياق هذا الشقاء وهذا السحق والتدمير لقضايا شعبه وأمته التي تشهد أقصى حالات الخراب في الحالة العربية. لا يمكن للشاعر والكاتب إلا أن يكون مضرجاً بكل هذه الدماء المراقة وهذا الرعب المنتشر من رياض الأطفال حتى ملاجئ الشيوخ، لكن العبرة تأتي لاحقاً في مدى تحقق الشرط الإبداعي والفني لدى الكتاب.
أخيرا.. أعدت الفضائيات عديدا من المسابقات الشعرية الفصيحة والنبطية, هل هذه الخطوة السليمة لإعادة الروح إلى الشعر؟ وما رأيك في هذه المسابقات؟
لا أتابع إلا نادرا مسابقات الفضائيات بكل أنماطها التي أصبحت تشبه سيركاً من المهرجين يختلط فيه الحابل بالنابل الحقيقي بالزائف، وأعتقد أن الفضائيات العربية التي انفجرت على هذا النحو الرهيب المنفلت والمجاني هي واحدة من النكبات التي تضاف إلى نكبات هذه الأمة على عكس ما توحي به من تعددية وحرية وصراع آراء وأفكار. هذه الأشياء المفقودة في دنيا العرب وواقعهم ويستعاض عنها وهماً وفضاء غالباً ما يصبُّ في خانة القمع والاستبداد المقنعين ببريق الحرية والديمُقراطية. هناك بعض البرامج الثقافية الشعرية ربما تخرج عن هذا النسق، لكنها لا بد أن تضيع في ذلك الخضم من التهريج والتذاكي والادعاءات الكاذبة. وحتى قنوات السينما لا يعرض فيها إلا قمامة هوليوود وبوليوود وغيرهما، ومن النادر أن يشاهد فيلم ذو قيمةً ومكانةً.
كونك رئيس تحرير مطبوعة ثقافية.. في رأيك ما مشكلات الإعلام الثقافي وطرق حلها؟
مشكلات (الإعلام الثقافي) كثيرة ومعقدة وأعتقد أن الثقافة الحقيقية كممارسة إبداعية تبني نفسها وأرومتها بمعزل عن الإعلام. وبالنسبة للمجلات الثقافيّة الحقيقيّة، فهي أصبحت قليلة جداً، وفي طريقها ربما إلى الانقراض.
عُمان في المرتبة الأخيرة في تقرير التنمية العربية الصادر عن مؤسسة الفكر العربي (من ناحية عدد الكتب المنشورة), هل يعكس التقرير حقيقة النشر والوضع الثقافي العُماني؟ وما تعليقك عليه؟
ثمة مشكلات كثيرة بالنسبة لمسألة النشر عندنا في عُمان، رغم انتعاش الحركة الأدبية والثقافية عبر أصواتها الجديدة في حقول مختلفة، أقول ذلك لمعايشتي اليومية لهذا الوضع، رغم أني لم أطلع على التقرير المشار إليه.
مازال بعض الشعراء الكبار مثل عبد المعطي حجازي يهاجم بشراسة قصيدة النثر.. ما تقييمك الشعري لقصيدة النثر، وفي رأيك في ظل استمرار الأصوات المعارضة لهذا النوع الشعري، هل ستكمل قصيدة النثر «الخرساء كما يلقبها حجازي» طريقها نحو التطور والاستمرار؟
أظن أن السجال يجب أن يتجاوز في هذه البرهة مسألة قصيدة النثر والعمود والتفعيلة إلى أفق أكثر عمقا ورحابة وأن يتبنى النقد والذوق معايير جديدة لتقييم الشعر العربي وإنجازاته وإخفاقاته في مسيرة الحداثة الشعرية منذ عقود كثيرة. أما هذا اللغط وهذه الاتهامات التي تقصي وتبيد وكأنها رديف آخر لقمع السلطات العربية للتعدد والاختلاف فهي لا قيمة لها. وقصيدة النثر مثلها مثل الأنماط التعبيرية التي سبقتها والتي ستعقبها لها إضافاتها المشرقة ولها إخفاقاتها وزيفها، وهي لا تختلف في شيء في هذا. وليست هناك في نهاية المطاف قصيدة نثر واحدة يطلق عليها حكم قاطع ونهائي، إنما كتابة ذات جغرافيات وأمزجة إبداعية مختلفة حد القطع والتناقض. وكل أشكال التعبير عبر التاريخ الأدبي قابلة للتطور والبقاء وقابلة للاضمحلال لتمتصها أشكال أخرى أكثر استجابة لمتطلبات برهة زمنية وثقافية وروحية معينة، فليس هناك شكل له عصمة أكثر من غيره، الأشكال حركة في الزمان.
بما أن الوحدة العربية لم تتحقق بعد, في رأيك في ظل آليات الاتصال الحديثة هل هناك أمل لوجود تعاون ثقافي عربي أو وحدة ثقافية عربية؟
الأمل موجود والحلم لا ينقطع، رغم كل هذه المآسي العاتية، طالما بقينا أحياء على هذه الأرض المنكوبة.