رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


الخليط المستحيل .. توطين الوظائف وإدمان الاستقدام

أدمن القطاع الخاص استقدام أيد عاملة للعمل في البلاد منذ طفرة السبعينيات من القرن الميلادي الماضي. بل أدمناها لتسيير حياتنا، حتى صار حسنا ما ليس بالحسن. ولكن هذا الإدمان له ثمن باهظ جدا: البطالة. علينا أن نختار بين الإدمان أو التوظيف (السعودة أو توطين الوظائف أيا كان الاسم)، ومن غير الممكن الجمع بين الاثنين.
كيف؟
يدخل سوق العمل مئات الآلاف سنويا من الشباب، وقريبا سيتجاوز هذا العدد المليون سنويا، لأن عدد السعوديين سيتضاعف في غضون 25 سنة تقريبا ليصبح في حدود 40 مليونا. فمن أين لنا أن نوظف هذه الملايين في ظل أوضاع الإدمان الحالية؟ من أين لنا أن نوظف ملايين الشباب بينما كثير أو ربما أكثر الوظائف (الجديدة) تذهب إلى أعداد هائلة نستوردها سنويا؟ إن أمامنا مشكلة خطيرة جدا. وعلينا أن نفكر فيما هو أصلح لعموم المجتمع وليس فئة منه، ولنفكر على المدى البعيد وليس القصير.
السماح باستقدام مئات الآلاف من الأيدي العاملة سنويا يحل أو يخفف كثيرا مشكلة آنية للمؤسسات والشركات ورجال الأعمال، ولكنه يزيد من صعوبة توطين الوظائف على المدى الأبعد.
يطالب البعض الحكومة أن توفر الوظائف لهؤلاء في دواوينها. هذا غير مقبول، بل غير ممكن. الحكومة توفر نسبة من الوظائف التي يحتاج إليها الاقتصاد، وهي نسبة صغيرة مقارنة بنسبة القطاع الخاص كله. وليس من العقل ولا الأمانة أن توظف الحكومة في أجهزتها لمجرد التوظيف وليس لوجود حاجة فعلية.
يفترض أن في السكان كفاية أو ما يقارب الكفاية من حيث العدد لشغل وظائف القطاع الخاص، أو أغلبيتها العظمى على الأقل. وتبعا لذلك، لا حاجة إلى الاستقدام إلا في نطاق أضيق مما يجري. والنتيجة أن الاستقدام بأعداد كبيرة يعني تلقائيا صنع بطالة.
هناك دول ذات مساحات كبيرة، ولا تعد من الدول كبيرة العدد بالسكان، وبعضها من ذوات الدخل المرتفع. فهل تستقدم هذه الدول ملايين لأداء أعمال من نوع الأعمال التي تعودنا على إسنادها إلى غير سعوديين؟ مؤكد أن الجواب لا.
يشتكي أحد رجال الأعمال أنه في حاجة إلى عمالة، لعمل كذا وكذا، ولا يجد حاجته، أو يجد بأداء ضعيف. طبعا هو يقصد أنه لا يجد عمالة غير سعودية، وشبه مؤكد أنه لن يجد عمالة سعودية بالأجور السائدة، فكيف إذا أضفنا العامل الاجتماعي. هناك احتمال كبير أنه سيجد ولو بعض حاجته من العمالة السعودية، بشرط بذل أجور عالية بما يغريهم بالعمل والانضباط. ولكن لماذا عليه أن يبذل أجورا عالية وغيره لا يفعل؟
لا مناص من الحد من الاستقدام حدا ملموسا، وهذا الحد سيضغط مع الوقت على سوق العمل، وخاصة سوق الوظائف المعزوف عنها، من حيث الأجور وساعات وعلاقات العمل وبنية الشركات وغيرها. وتبعا لذلك ستحدث تغيرات هيكلية في الاقتصاد والتوظيف: مثلا، سيرتفع الأجر التوازني في سوق العمل السعودي، وتبعا لذلك سيزيد نصيب العمل في الناتج المحلي، وسيقل الاعتماد على الغير في أداء الأعمال اليدوية. وحتى لا يساء الفهم أقول الحد وليس المنع النهائي.
من المؤكد جدا أن الحد يسبب مضار كبيرة على المديين القصير والمتوسط، ومضار على المدى البعيد، ومن الوهم أن نتوقع خلاف ذلك. وقصة رجل الأعمال السابقة مثال لهذه المضار، ولكن كما يقول المثل: ''مكره أخاك لا بطل''، علينا أن نوازن بين هذه المضار والمضار المصاحبة لعدم الحد، ومن يقول إن بإمكاننا تلافي المضرتين معا فهو يعيش في أوهام.
الحد لا بد أن تصاحبه سياسات عمل قوية وجريئة تخفف صافي الضرر، ومنها تسخير الشركات الأجنبية العاملة في البلد لتدريب السعوديين على شغل وظائفها اليدوية؛ وإدخال إصلاحات جذرية على نظام الكفالة؛ وزيادة قدرات صندوق الموارد البشرية، بل جعل بعض فروعه صناديق مستقلة.
كما أن من المهم أن تزيد الحكومة والغرف التجارية من اهتمامها بتحسين بيئة العمل في الشركات والمؤسسات الصغيرة، لأنها الصانع الأكبر للوظائف التي يكثر فيها عزوف المواطنين عن العمل أو ضعف استقرارهم. وقد تطرقت استراتيجية التوظيف إلى أهمية تلك المؤسسات في التوظيف. وهنا أدعو وزير العمل الدكتور غازي القصيبي ونائبه الدكتور عبد الواحد الحميد وزملاءهما في وزارة العمل إلى تبني قيام تنظيم مؤسسي قوي وفاعل للإسهام في تقديم خدمات بجودة عالية لتطوير المؤسسات الصغيرة، بما يساعد في زيادة إقبال المواطنين على العمل بها. ويمكن الإنفاق على هذا التنظيم المؤسسي من ميزانية الدولة ومن صندوق الموارد البشرية حتى يتمكن من استقطاب كفاءات جيدة للعمل فيه.
كما من المهم تنظيم ساعات العمل في الأسواق بما يحمل الناس على الخلود إلى بيوتهم ليلا، وهذا من الدين، فقد أخرج البخاري ومسلم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يكره النوم قبل صلاة العشاء والحديث بعدها. ولا شك أن ذلك التنظيم أفضل صحيا واجتماعيا، وهو ما نراه في عامة دول العالم، فالأعمال عادة تنتهي مع حلول الظلام، وأفراد العائلة يجتمعون لتناول العشاء ومن ثم النوم مبكرين.
والخلاصة أن علينا أن نختار بين الإدمان والتوظيف، ومن غير الممكن الجمع بين الاثنين. وبالله التوفيق،،،

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي