كارثة إيران .. طغيان المذهبية على المصلحة الوطنية
ما يحدث في اليمن وعلى الحدود السعودية - اليمنية, ومن قبله في لبنان من نزاع وفتنة هو تداعيات لمشكلة تسييس المذهبية التي يعانيها العالم الإسلامي منذ قيام الثورة الإسلامية في إيران والتأسيس لجمهورية على فكر المذهبية المقيتة وفرض الوصاية على الآخرين والتدخل في شؤونهم وتصدير أيدولوجيتها بأساليب الدس والخداع والمكر. والطامة الكبرى إذا كان ذلك المذهب بذاته يروج للكراهية ويقوم على التكفير والسب والشتم والتهجم على رموز الإسلام ومبني على الأباطيل والأكاذيب والخزعبلات تنفر منه الفطر السوية. إيران التي انخدع البعض بدعواها الدفاع عن حقوق الأمة ونصرتها لم تكن إلا عباءة إعلامية لتمرير مخططاتها التوسعية وتحقيق أطماعها في المنطقة وتغيير الخريطة السياسية والسكانية. ولا عجب أن نرى ونسمع إيران وهي تتشدق بادعاءات وتصريحات رنانة تهز المشاعر وتحرك العواطف تزينها كلمات التحرير وإعلان العداء لأمريكا وإسرائيل فهي تمارس الرياء السياسي في أوضح صوره. إيران أصبحت تعيث في الأرض فسادا وهذه حقيقة ومصدر هذا الإفساد أن لها وجهين, وجه رسمي صوري شكلي متشدد عدواني مع أمريكا والغرب وصداقة حميمة مع العرب لا يتعدى شعارات إعلامية فارغة وخطب تنديدية! ووجه آخر خفي تآمري هو الطعن من الخلف لهؤلاء الأصدقاء والقيام بأعمال شريرة دنيئة لا ترقب إلا ولا ذمة, وفي الوقت ذاته تنام في فراش واحد مع أمريكا (الشيطان الأكبر على حد تعبيرها) وحليفتها إسرائيل وتتقاسم معهم الكعكة في العراق ولبنان وغيرها من البلدان التي لم تبرح تزرع فيها الفتن والقلاقل وتروج لفكرها الضال بتدخل سافر في شؤون الغير بنظرة مذهبية. إيران من حيث تدري أو لا تدري أصبحت ألعوبة في يد الغرب وإن بدت تزمجر وتصيح بأعلى صوتها, فهذا لا يعدو أن يكون تمثيلية ساعدت على إخراجها أمريكا وإسرائيل على حلقات عديدة وكأنه مسلسل لا يكاد ينتهي! فإيران تصرخ وأمريكا تتوعد ثم ماذا؟ لا شيء! لا شيء على الإطلاق! وهكذا تستمر المسرحية الهزلية تسلط عليها الأضواء وتكون مركز اهتمام العالم لتتاح لإسرائيل الفرصة لتنفيذ مخططاتها بعيدا عن الأنظار وتتفرد بالفلسطينيين والمقدسات الإسلامية.
لقد أصبحت إيران, بما لا يدع مجالا للشك, رأس الحربة التي تتهدد الأمة الإسلامية بأسرها والخنجر المسموم بالطائفية الحقودة الذي يخترق خاصرتها بل أصبحت سبة على الإسلام والمسلمين ومعول هدم للوحدة وأشبه ما تكون بحيوان مفترس يستخدمه الغرب في تخويف جيرانها وتهيئة الظروف للتدخل في المنطقة متى شاءت والبقاء فيها أطول مدة ممكنة. السياسة الإيرانية يسيطر عليها الحقد الطائفي الذي يعميها عن رؤية الأمور على حقيقتها والتعرف على مصلحتها الوطنية والتمييز بين الصديق الحقيقي والعدو . إيران التي ترفع شعارات تحرير فلسطين والدفاع عن المقدسات الإسلامية تمارس ما يمارسه الإسرائيليون من احتلال لأراض عربية وتضخيم قدراتها العسكرية لاستفزاز جيرانها وقمع الأقليات. ومن العجيب وما يدعو إلى السخرية أن تطلب إيران دون استحياء من السعودية التوقف عن تصديها للمعتدين الحوثيين الذين انتهكوا سيادتها وحق الجيرة بدعوى أن ذلك تدخل في شؤون اليمن الداخلية. وهذا بلا شك دليل دامغ على دعم إيران للحوثيين وتأجيج الصراع المذهبي في المنطقة والتدخل في شؤون الغير, فالنهج الإيراني صار يتغلغل ويسري في أتباعها ومن يمشي في ركبها المذهبي من الحوثيين وحزب الله وأحزاب عراقية مذهبية لتدعمهم وتدفعهم نحو المغامرة والانشقاق ليضعف ذلك أمر المسلمين ويزيد من حال التشرذم والفرقة, وهذا ما يريده أعداء الأمة . والسؤال الذي يتبادر إلى الذهن: ماذا قدمت إيران للأمة الإسلامية منذ انطلاق ثورتها؟ بل ما الإخفاقات والمصائب التي جلبتها هذه الثورة؟
وإذا كانت إيران حرة فيما تفعله داخل حدودها من قمع لمواطنيها وكبت للحريات إلا أنه لا يحق لها أن تصدر هذه الفوضى السياسية والأفكار العبثية وتطبيق مبدأ خالف تعرف من أجل الإمساك بخيوط اللعبة والسيطرة على القرار الإسلامي ولتبدو في مركز القوة والتحدي ليتم استهلاكه سياسيا بالتفلت من مسؤولياتها والتزاماتها أمام شعبها المغلوب على أمره, الذي يعاني الأمرين اقتصاديا وسياسيا وثقافيا. إيران التي تقمع مظاهرات الإصلاحيين السلمية وتمنعهم بحجة أنها تثير الشغب والسلم الاجتماعي هي نفسها وفي التوقيت ذاته تدعو إلى أن يتحول الحج إلى هتافات خاوية وفوضى عارمة وتصادم بين المسلمين بعيدا عن مقاصده الشرعية. إنها محاولة يائسة تنضح بالغباء السياسي أن تدعو إلى تحويل فريضة الحج إلى مظاهرات, وهي شعيرة تعبدية خالصة بين العبد وربه في سكينة يتجرد فيها عن كل ملذات الحياة وأهوائها ويمسك عن أي تجاوز واعتداء على الآخرين, حتى عن إيذاء أو قتل الحيوانات التي هي في أصلها حل. ومع ذلك فإن النهج الإيراني في دعواه لجعل الحج للمهاترات والهتافات السياسية والصراخ واللطم لا يمثل وجهة نظر الأغلبية في العالم الإسلامي, وكان عليها لزاما احترام إجماع المسلمين, فضلا عن أن هذه المظاهرات لا تغني عن الحق شيئا ولن تزحزح إسرائيل قيد أنملة ولن تحرر القدس! بل إنه يفقد الحج معناه السامي ومقصده النبيل في التئام المسلمين وتجمعهم على صعيد واحد. إن اجتماع الكلمة هو ما سيرعب العدو وليس الانشقاق والتفكك والزعيق بعضنا على بعض! كما أن ما تدعو إليه إيران هو خروج على النهج الإسلامي القويم والصراط المستقيم الذي في جوهره يدعو إلى الحكمة والموعظة الحسنة والمجادلة بالتي هي أحسن والتزام السكينة وتوقير البلد الحرام والتمسك بحبل الله إخوانا.
من المضحك المحزن أن تنال السياسة الإيرانية المفلسة من دولة كالسعودية لها تاريخ ناصع ومشرف في العلاقات الدولية واحترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، بل إنها عند الأزمات والملمات تقف السعودية في أول الصف للمساعدة وإحقاق الحق وفض النزاعات وحل المشكلات بحكمة وروية وتسخير إمكاناتها ليسود السلام العالمي ويعم الرخاء وتسعد البشرية. السياسة السعودية تسيرها المبادئ الإسلامية وبذل المعروف والدفع بالتي هي أحسن ولكن لا ترضى التعدي على كرمتها وسيادتها وشعبها ولا تساوم أبدا على ثوابتها ومقدراتها ومكتسباتها. إن الشعب السعودي ذا النخوة والشهامة والعزة والكرامة والشجاعة والبسالة يقف وراء قيادته التي تطبق الشرع وبه تعدل صفا كأنهم بنيان مرصوص. قوتنا نحن السعوديين بإيماننا والتزامنا شرع الله وأننا لا نخاف في الله لومة لائم، والتاريخ قديمة وحديثه يشهد بذلك، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون.