السعودية .. الطريق إلى (آســـيان)!
اقترحت في مقالات سابقة أن تتقدم المملكة بطلب العضوية إلى رابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان)، وإذا تعذر قبول العضوية الكاملة لسبب أو لآخر فإنه من الممكن أن تنضم المملكة إلى آسيان كمراقب، أو أن توقع مع دول آسيان على اتفاقات شراكة تجارية تدعم علاقاتها الاقتصادية مع هذا التكتل الذي يبدو أنه يحقق مزيدا من النجاحات.
وإذا كنا من ناحية الجغرافيا لا نقع في جنوب شرق آسيا، فإننا نقع في آسيا، وطالما أننا نقع في آسيا، فالأولى أن نستفيد من جيراننا في قارة آسيا أكثر مما يســتفيد غيرنا من سكان القارات الأخرى مثل أستراليا ونيوزيلندا، علماً بأن العولمة ألغت المسافات وألغت القارات وجعلت كل القارات تنصهر وتسكن القرية الكونية.
وبالمناسبة فقد وقعت سـت دول هي: أستراليا، الصين، الهند، اليابان، نيوزيلندا، وكوريا الجنوبية مع الدول الأعضاء في(آسيان) اتفاقيات شراكة تجارية متعددة الأرجاء.
وإذا كانت هذه الدول حريصة على التوقيع على شراكة تجارية مع دول آسيان، فإنه من باب أولى أن تكون السعودية هي إحدى الدول التي ترتبط بعلاقات تجارية مميزة مع دول رابطة آسيان.
وإذا كنت قد اقترحت طلب الانضمام كمراقب إلى عضوية رابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان) منذ فترة، فإنني الآن أعود مرة أخرى وأطالب بإلحاح ببناء أي نوع من أنواع الشراكة التجارية مع هذه الدول التي تقترب من وضع صيغة اتفاقية تجارة حرة إقليمية فيما بينها، ولو أصبحنا أحد الموقعين على هذه الاتفاقية فسوف نحقق فوائد كبيرة من هذا التكتل الذي حقق إنجازات مترامية الأطراف مما حدا بأستراليا ونيوزيلندا المطالبة بتطوير هذا التكتل حتى يصبح رابطة آسيا الباسفيك.
إن اقتصادات الدول الأعضاء في آسيان لم تتعرض لأضرار بالغة جراء الأزمة المالية العالمية، وما لحقها من أضرار أقل بكثير مما لحق بالاقتصاد الأوروبي والاقتصاد الأمريكي، ولذلك فإن اقتصاد دول آسيان يخرج من الأزمة العالمية بأقل الخسائر الممكنة.
إن فشل السياسة المالية الأمريكية يزيد من ضعف الدولار الأمريكي على المدى الطويل، وهناك إحساس لدى الاقتصاديين بالفجوة الكبيرة بين الدور الكبير الذي يلعبه الدولار وحجم الاقتصاد الأمريكي المنكمش، ولا شك فإن الأزمة المالية العالمية الحالية تعمل على زيادة تراجع حصة الولايات المتحدة الأمريكية من الناتج المحلى الإجمالي العالمي.
وكان يؤمل أن يكون اليورو هو البديل الأقوى والأرجح ولكن الأزمة المالية العالمية أخرت اليورو وجعلته كما لو كان عملة أوروبية إقليمية، بينما كان تأثير الأزمة المالية العالمية في اقتصادات دول الآسيان ــ كما ذكرنا ــ أخف وطأة من تأثيرها في اقتصاد دول الاتحاد الأوروبي.
إن التجارب الماثلة لدول رابطة آسيان تؤكد أنها دول تبحث عن المصالح المشتركة لكل الأعضاء ولا تبحث عن مصالح دول بعينها على حساب بقية الدول الأعضاء، كما يحدث في منظمة التجارة العالمية، حيث تريد الدول الكبرى في هذه المنظمة الفوز بأكبر قدر من المكاسب على حساب الدول الناشئة والدول النامية.
إن معدلات نمو الناتج القومي للدول الأعضاء في (آسيان) أصبحت هي الأعلى على مستوى العالم، ولذلك فإن (آسيان) إذا انتهت من مرحلة تحرير التجارة البينية من الرسوم الجمركية ووصلت إلى مشارف قيام السوق المشتركة، ثم توحيد العملات، فإن عملة الآسيان ستكون من أكثر العملات المرشحة لكي تكون العملة العالمية الجديرة بأن تحتل المكان الذي يحتله الدولار الأمريكي الآن.
وعموماً فإن استبدال الدولار سواء باليورو أو بسلة عملات آسيان لن يكون متاحا في القريب، لأن الدولار ما زال يتمتع بالصفات التي تجعله الرائد على جميع العملات الأخرى، إن حصة الدولار من الاحتياطيات العالمية الآن تصل إلى ثلاثة أمثال حصة اليورو، وحتى خلال الأزمة العالمية كان هناك طلب على الدولار لحل مشكلات المؤسسات والمصارف المتعثرة كما لو كان الدولار خارج الأزمة العالمية، بل وكأن الدولار عملة من خارج أسواق الأزمة المالية العالمية.
ولذلك ما زال الدولار هو العملة التي تدفع بها الفواتير وتتم بها التسويات في كل الأسواق ما عدا أسواق الاتحاد الأوروبي، ولا يبدو أن هناك دولاً تستعد لإيقاف ارتباطها بالدولار لصالح اليورو أو غيره من العملات الأخرى، بل إن بعض الدول وبالذات دول الخليج ما فتئت تؤكد اعتمادها على الدولار الأمريكي في كل تعاملاتها البترولية وإنه لا يوجد لديها النية لتغيير الدولار باليورو أو أي عملة أخرى.
أمّا إذا وصل الاقتصاد الدولي إلى مرحلة البحث عن عملة تحل محل الدولار، فإن كثيراً من المراقبين يرشحون آسيان ويستبعدون الاتحاد الأوروبي قياساً بما تم إنجازه على صعيد التجارة الدولية، ولا سيما أن اليابان والهند والصين وكوريا الجنوبية وأستراليا دخلت في كنف آسيان.
وإذا حدث أن انضم الاقتصاد الصيني والاقتصاد الياباني والاقتصاد الهندي والاقتصاد الكوري الجنوبي، والاقتصاد الأسترالي، إضافة إلى اقتصادات الدول الرئيسة الأعضاء، فإن ثلث التجارة العالمية سيكون في حضن رابطة آسيان.
وهذا يعنى أن الاقتصاد الأوروبي سيحتل المكانة الثانية بعد آسيان التي ستلعب دوراً جاداً في نمو معدلات التجارة العالمية بعيداً عن التلاعب والفساد الذي انتشر في أوصال منظمة التجارة العالمية مما جعل مصداقيتها ــ عند معظم الدول الأعضاء ــ تصل إلى الحضيض.
إن دخول الاقتصاد السعودي في قلب ما يسمى اقتصادات الدول الناشئة إذا لم يحقق مكاسب، فلن يحقق أي خسارة، وأتصور أن الاقتصاد السعودي بهياكله المتجددة وإمكاناته الفائقة وتجاربه الثرية وصل إلى مرحلة من النضج، حيث يستطيع أن يشارك بفاعلية ويفيد بكفاءة.