رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


هل السوق المحلية مهيأة لاستقطاب الاستثمار الأجنبي في المالية الإسلامية؟

كما هو معلوم أن استقطاب الاستثمارات الأجنبية أصبحت محل اهتمام كثير من دول العالم، إذ إن لها عددا من الإيجابيات التي قد تسهم في حركة التنمية الاقتصادية والتعليمية والصناعية والتقنية وغيرها، وتحرص الكثير من الدول على استقطاب هذه الاستثمارات لعدة أسباب منها: توفير فرص العمل للمواطنين من خلال إنشاء هذه المشاريع وتشغيلها، واستقطاب التقنية، إذ إن هذه الاستثمارات تجعل من الشركات الكبرى في العالم تنقل التقنية إلى البلاد التي تستثمر فيها، ما يؤدي إلى إيجاد خبرات، وتطوير مهارات العاملين لدى تلك المؤسسات. كما أن استقطاب الاستثمار الأجنبي يسهم في زيادة فرص التعليم والتأهيل لدى المواطن، ويوفر خدمات ومنتجات ويزيد من التنافسية في بعض القطاعات التي يترتب عليها في النهاية خدمة إضافية للمواطن. إضافة إلى إيجاد فرص للاستثمارات المحلية في قطاعات متعددة مثل العقار والمقاولات وما يسمى سياحة الأعمال، ما يتيح أيضا فرص وظائف للأفراد.
يعد الاستثمار الأجنبي خيارا حكوميا استراتيجيا، حيث تم إنشاء الهيئة العامة للاستثمار، التي تعمل على تهيئة البيئة الاستثمارية الجاذبة للاستثمارات الأجنبية، والعمل على زيادة مستوى تنافسية المملكة على مستوى العالم، والتنسيق لتهيئة البيئة المناسبة التي تعد عاملا يسهم في زيادة رغبة الشركات الكبرى إلى السوق المحلية.
والاستثمار الأجنبي ليس على كل حال يفترض أن يفتح على مصراعيه، حيث إن أي دولة يفترض أن تهتم أكثر باستقطاب الاستثمارات التي يكون فيها إضافة فعلية للاقتصاد المحلي، ويخدم في حل الأزمات، بدلا من أن يكون الاستثمار الأجنبي في حد ذاته أزمة.
وبناء عليه يتم التركيز على قطاعات معينة, وهذا كان واضحا في استقطاب الاستثمارات في الصناعات البترولية والبتروكيميكل، وذلك لتميز المملكة بأنها أكبر مصدر للنفط في العالم، ومن الممكن أن يتم استقطاب استثمارات في الصناعات الثقيلة وفي التقنية والتعليم والصحة، ما قد يمثل إضافة للمجتمع لتوفير فرص العمل، وزيادة فرص التأهيل والتعليم في المملكة, وأن تلعب دورا إنتاجيا في العالم بدل أن تكون على قائمة أبرز الدول المستهلكة.
ولعل مما يميز المملكة أيضا فيما يتعلق بالاستثمار في المالية الإسلامية، كونها متميزة بأنها بلاد الحرمين، ويوجد بها الكثير من العلماء المتميزين عالميا، وتطبيقها للشريعة الإسلامية في الأحكام، أكسبها ثقة شعوب البلاد الإسلامية، واحترام بلدان العالم. لذلك احتضان المملكة واهتمامها بالمالية الإسلامية سيكون له دور كبير في استقطاب الأموال من شتى أنحاء العالم، خصوصا أن هذه المرحلة تشهد اهتماما غير مسبوق لاستقطاب الاستثمارات في هذا القطاع، وهذا الأمر ليس من باب الحديث العام غير الواقعي، بل إن كثيرا من دول العالم اليوم أصبحت تتحدث عن المالية الإسلامية وتقيم المؤتمرات والملتقيات العلمية، وتؤسس البرامج الأكاديمية في المالية الإسلامية، وتوفر الكثير من السبل والتسهيلات لاستقطاب الاستثمارات في هذا المجال.
الحقيقة أنه واضح من خلال الكثير من الإجراءات اليوم على المستوى الحكومي أن هناك اهتماما كبيرا بهذا المجال، فأصبح هناك الكثير من الاهتمام بإنشاء المراكز البحثية، ويوجد خطط لإنشاء برامج أكاديمية في هذا المجال، إضافة إلى إنشاء عدد من البنوك الإسلامية وتحول بنوك أخرى من مؤسسات مالية تقليدية إلى مؤسسات مالية إسلامية، وتوفير الكثير من البنوك التقليدية أدوات تمويلية واستثمارية متوافقة مع الشريعة، حتى أصبحت نسبة التمويل الشخصي للأفراد غالبا ما تكون بالأدوات المالية الإسلامية. كما أن الكثير من أدوات تمويل الشركات أيضا مبني على الأدوات المالية المتوافقة مع الشريعة.
يبقى أن نتساءل: هل هذا الجهد بحد ذاته كاف لإيجاد بيئة جاذبة للاستثمارات المالية المتوافقة مع الشريعة؟
الحقيقة أنه من الخطأ القول إن هذا الجهد لن يكون له ذلك الأثر الكبير، بل بالتأكيد سيسهم في استقطاب الاستثمارات إلى هذا القطاع، لكن لا ننسى أمرا مهما، وهو دور مؤسسة النقد، التي تلعب دور البنك المركزي في المملكة، في تهيئة بيئة أفضل للاستثمارات المتوافقة مع الشريعة. الحقيقة أنه من خلال قراءة التجربة الماليزية، التي جذبت اهتمام الكثير من المؤسسات المالية العالمية والمؤسسات المالية الإسلامية، حيث إن لديها اهتماما ودعما كبيرا لاستقطاب الاستثمارات في المالية الإسلامية، فماليزيا تأتي في أقصى شرق العالم الإسلامي بعيدا عن المركز التاريخي لانتشار الإسلام، لتصبح اليوم مركزا للمالية الإسلامية على مستوى الاستثمارات والتعليم والبحث والخبراء، إذ إن لديها تعاملا خاصا بالمؤسسات المالية الإسلامية أو بالبنوك الإسلامية، أسهم في استقطاب بنك الراجحي وبيت التمويل الكويتي وبنك قطر الإسلامي، في حين أن الكثير من البنوك المحلية والأجنبية بها تقدم الأدوات المتوافقة مع الشريعة.
الحقيقة أن المسألة ليست العمل على استنساخ التجربة الماليزية بقدر ما هو تأكيد لقضية أهمية تفهم وضع المالية الإسلامية، وأنها تختلف في كثير من الأحيان جذريا عن المالية التقليدية، لذلك حتى يتم استقطاب الاستثمارات في مجال المالية الإسلامية فمن المهم تفهم حاجة المالية الإسلامية من جهة الأنظمة والتشريعات على مستوى مؤسسة النقد، وذلك لا يعني مجاملة هذا القطاع وإعطاءه فرصة أكبر - وإن كان هذا قد يكون مطلبا - ولكن من الصعب مثلا معاملة الأدوات المالية الإسلامية المبنية على عقود مثل المشاركة والإجارة، معاملة التمويل بالأدوات التقليدية مثل القرض بفائدة.
لا شك أن مسألة وضع هذه التشريعات ليس بالأمر اليسير الذي لا يواجه عقبات، ولكن بالتأكيد أنه متى ما تم سيكون للمملكة دور ريادي كبير في قطاع المالية الإسلامية.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي