رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


تحليل للردع السعودي الحازم على المتسللين

لم أستطع تجنب الكتابة عن الحدث الأبرز الذي طغى على الساحة الإعلامية خلال الأيام الماضية, وهو التسلل إلى جبل الدخان داخل الأراضي السعودية وردة الفعل الحازمة والقوية للمملكة, وليست بالمستغربة, فالحر تكفيه الإشارة وأي تدنيس للأراضي السعودية أو استخفاف بحقوقها وقتل الأبرياء وإهلاك الحرث والنسل سيجد المصير نفسه ولو أنهم تعلموا من درس التاريخ الواضح الدلالة لعرفوا أننا نواجه بحد السيف القاطع كل من تسول له نفسه مثل ذلك إحقاقا للحق ورفعا لكلمة الله القائل جل شأنه ''والله لا يحب الفساد''. وليس المقال لترديد ما في أعمدة الصحف الأولى أو القنوات الفضائية, بل هو تحليل بسيط لمجريات الأحداث ولردة الفعل السعودية التي قد يستغرب البعض حجمها وقوتها. يبدو أن هناك سؤالا محيرا جدا، فإذا كانت زمرة المتسللين يعرفون حق المعرفة قوة الجيش السعودي وإمكاناته وشجاعة فرسانه كما يعرفون بأنهم يراهنون ضد دولة حديثة منظمة وآمنة، فلماذا يزجون بأنفسهم وعتادهم البسيط مهما كثر في أتون هذه النار, ويصنعون بأيديهم كماشة القضاء عليهم بين الجيشين السعودي واليمني؟ لقد بحثت عن الإجابات في جميع زوايا القضية فلم أقتنع لهذا التهور إلا بإجابة واحدة. من المعلوم المحاولات اليائسة لتنظيم القاعدة للتسلل إلى داخل الحدود السعودية بهدف القيام بعمليات متنوعة لإهلاك الأنفس البريئة المسلمة وإشاعة الفوضى, وتم ـ بفضل الله ـ كشفها جميعا وآخرها العملية التي ضُبط فيها مجموعة من تنظيم القاعدة بملابس نسائية ودار اشتباك بينهم وبين حرس الحدود البواسل الذين أزهقوا تلك المحاولة وغيرها بحزم وشجاعة. أمام هذا السور الحديدي من المخلصين لم يجد تنظيم القاعدة معنى للتمركز في الحدود اليمنية إذا لم يستطع اختراق الحدود ببساطة – وفقا لمنهج التجربة الطالبانية على حدود أفغانستان وباكستان. الجميع يعلم أيضا ووفقا لاعترافات ''العوفي'' - القائد السابق والتائب من تنظيم القاعدة - التنسيق والتعاون المشترك بين الحوثيين والقاعدة في تلك المنطقة. من ذلك يبدو لي أنه تم عقد اتفاق استراتيجي بين الطرفين لخلخلة الحدود السعودية -اليمنية لتسهيل حركة القاعدة وتسللها وصناعة عمق استراتيجي للطرفين في تلك المنطقة. ويبدو أن المتسللين ومن يشجعهم انخدعوا بأمرين، الأول البساطة التي يتعامل بها حرس الحدود السعودي مع البسطاء والفقراء من الشعب اليمني والعابرين للبحث عن الرزق فقط وهربا من نار الحرب الدائرة هناك، والثانية هي عدم وجود مساندة ظاهرة وواضحة التنسيق بين حرس الحدود والجيش السعودي بجميع تشكيلاته. إضافة إلى أمر ثالث يخدع البعض وهو تلك الانتقادات التي تظهر على صفحات الصحف السعودية لأعمال بعض الوزارات ونقد التنسيق فيما بينها التي تهدف دائما إلى البحث عن الأفضل لصالح المجتمع, تلك القراءات الخاطئة جميعها أوهمت المتسللين ومن يقف وراءهم أنه يمكن خلخلة الحدود لأيام عدة تضمن تسلل القاعدة وغيرها ومن ثم الهدوء ببساطة ومعاودة تكرار ذلك كلما لزم الأمر فسولت لهم أنفسهم أمرا. لكن الواقع كان مرعبا جدا وردة الفعل السعودية كانت بمستوى الخطورة وليس الحدث. فلم تكن القضية في نظر الجانب السعودي قضية 15 رجلا ماتوا لأجل التلويح في القنوات الفضائية من فوق جبل، بل حدود أمة وأمن منشآتها وشعبها من جيوب إجرامية تريد التمركز والابتزاز والتسلل وزعزعة الاستقرار بشكل دائم. لذلك ووفق هذا التصور كانت ردة الفعل السعودية مناسبة للمخاطر تماما ودون إفراط في استخدام القوة.
لم يُفاجأ المتسللون باكتشاف أهدافهم هم والقاعدة فقط بل بالقدرة السعودية الهائلة والتنظيم السريع بين وحدات حرس الحدود التابعة لوزارة الداخلية وبين تشكيلات الجيش بتنوعها وتعددها والتابعة لوزارة الدفاع وبالتنظيم المتقن والسريع حتى مع وزارات المالية والصحة والدفاع المدني ومحافظات المنطقة بتعددها, مما يشير إلى تناسق رائع ومدهش في أعمال هذه الوزارات سواء مدنية أو عسكرية عند حدوث الملمات والطوارئ، ثم الاستجابة الشعبية الرائعة جدا من صحف مطبوعة وإلكترونية غطت الحدث ببراعة ولم تترك لترهات القنوات الفضائية المتحيزة دورا، وحتى المواطنين في القرى التي تم إخلاؤها تماما استجابوا للتنسيق بهدوء وتم نقلهم إلى مراكز جهزت لغرض إيوائهم ومواصلة أبنائهم للدراسة، كل ذلك في أقل من يومين وفي عملية يجب أن يقف عندها التاريخ قليلا - حتى الأغنام والأبقار استجابت لنداء الوطن بهمة وببساطة. لم يواجه المتسللون حرس حدود فقط بل أمة منظمة فسقط من أيديهم حتى رهان الضغط الشعبي والإعلامي, ولم يبق إلا الحصار في أتون جبل النار ثم الانتحار كنتيجة طبيعية لغباء قيادتهم والمراهنات الخاسرة لمن يدعمهم.
بهذا التنظيم المحكم الرائع والسريع استطاعت القوات السعودية أن تشكل حزاما أمنيا بعمق عشرة كيلومترات داخل الأراضي السعودية بعد أن تم إخلاء جميع القرى داخل هذا السياج الأمني, وبالتالي تتبع جميع حالات التسلل المخطط لها واكتشافها بسهولة للاستسلام أو تعرضها لنيران القوات المسلحة، لم يعتد الجيش السعودي على الأرض اليمنية وهو القادر على ذلك لأنها أصبحت ممرا سهلا للقاعدة وغيرها بعدما تخلت القوات اليمنية عن ممارسة دورها الواجب على حدودها، فلم يتعمق الجيش السعودي هناك لتكوين سياجه الأمني وتقليل تكاليف العملية بترك الناس في قراهم كما تفعل باقي أمم الأرض, بل حافظ على هوية اليمن وحدود أراضيه واحترامها وحرمتها برغم المخاطر الجسيمة التي شكلها المتسللون، لكننا لسنا محتلين, بل مدافعون عن الحق بما شرع الله. ويبدو أن ظاهر هذا السلوك الحضاري هو الذي خدع غوغاء المتسللين فظنوا – وخاب ظنهم ولله الحمد - أن ابتعاد الجيش الظاهري عن شريط الحدود رغم المعارك الدائرة في شقها الآخر مع الجيش اليمني يعني عدم القدرة على الردع السريع والفعال في وقته اللازم. لقد كانت الرسالة السعودية واضحة الدلالة وكان الرد صريحا على من تخونه ذاكرته السياسية والعسكرية ليردد بكل بلاهة في قناته الفضائية أن الجيش السعودي لم يقم بعمليات منذ ستينيات القرن الماضي, مغررا بذلك الهراء الأغبياء وخونة الأوطان.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي