العدوان البغيض.. والدفاع المشروع
قلت في مقال نشر قبل شهر إن خبراء الاستراتيجيات العسكرية يحذرون من ضعف الأطراف، ويقولون إن الدول لا تخترق إلاّ من أطرافها، ولذلك يجب على الدول التي تريد أن تحمي أمنها الوطني أن تبادر بنشر قواتها المنظمة على طول حدود الأطراف، وأقصد على طول الحدود الدولية للوطن مع كل الجيران.
واليوم تشهد حدودنا الجنوبية على مشارف جازان عدواناً آثماً بغيضاً قامت به فلول من الميليشيات البغيضة ضد مواطنين سعوديين أبرياء.
طبعاً الحكومة بادرت باتخاذ سلسلة إجراءات تتناسب مع هذا العدوان الآثم، ولكن ما نود أن نضيفه أن مثل هذا العدوان كان يجب ألا يكون مفاجئاً، وكان يجب أن نكون قد أعددنا له العدة على طول الحدود مع اليمن، لأن التوتر بدأ في الأطراف الجنوبية منذ مدة ليست بالقصيرة، وكان يجب أن نتخذ من الإجراءات ما يمنع وقوع هذا التسلل المسلح ضد أرضنا ومواطنينا ولا سيما وأن الحدود شهدت سلسلة من التسللات المريبة طوال السنوات القليلة الماضية، وستستمر حدودنا مع اليمن في حالة توتر حتى نؤمن الأطراف بشكل كامل.
على كل حال، حدث ما حدث وأتمنى من حكومتنا الرشيدة أن تعالج هذا الغزو المسلح بأكثر من إجراء، فعلى الصعيد العسكري أرجو أن تتخذ الحكومة ــ وأعتقد أنها فعلت ــ كل الإجراءات لدفع قوات مسلحة على درجة عالية من الكفاءة في مهمة دفاع عن الحدود، ومهمة ردع العدوان.
إن عدواناً كهذا العدوان الذي أخذ طابع التسلل باستخدام السلاح والاعتداء على قوات من سلاح الحدود، ثم الاعتداء على مواطنين آمنين عُزّل لا يجب ألا يمر بتمشيط الحدود فقط، بل يجب أن تكون هناك عمليات عسكرية كاملة من تلك العمليات التي عودتنا عليها قواتنا المسلحة الباسلة، حيث تعبر هذه العمليات عن إمكانات عالية في أساليب رد العدوان بالقوة المسلحة.
وأعتقد أن القانون الدولي يعطينا هذا الحق لأننا في موقف الدفاع عن النفس والأرض والعرض.
وعلى الصعيد السياسي، فإن المملكة يجب أن تنشط كل قنواتها الدبلوماسية وتتحرك باتجاه جميع المنظمات الدولية، ولتبدأ بمجلس التعاون الخليجي وجامعة الدول العربية، ثم هيئة الأمم المتحدة وتحيط المجتمع الخليجي والمجتمع العربي والمجتمع الدولي علماً بالاعتداء الآثم الذي وقع على حرمة حدودنا وعلى مواطنينا الأبرياء.
ويجب أن تسعى الدبلوماسية السعودية إلى الحصول على قرار أو بيان بتجريم هذا العدوان واعتباره نوعاً من أنواع الإرهاب المسلح الذي يجب أن يقابل بالحصول على قرار بتجريمه، واعتباره نوعاً من أنواع الإرهاب الذي يجب أن يحصل على تضامن دولي يجمع على ضرورة لجمه وإيقافه عند حده.
ولا شك أن التصريح الرسمي الفوري الذي أدلى به الأمين العام لمجلس التعاون الخليجي، وكذلك التصريح الذي أدلى به الأمين العام لجامعة الدول العربية يوضحان أن الدبلوماسية السعودية بدأت تحركها باتجاه هاتين المنظمتين الإقليميتين الدوليتين.
ونرجو أن تحصل المملكة على تصريح من الأمين العام للأمم المتحدة يعبر فيه عن شجبه للعدوان كما يعبر فيه عن احتجاج المجتمع الدولي لهكذا عدوان.
ولا شك أن هذه التصريحات من مستوياتها الدبلوماسية الأعلى ستكون مقدمة لاستصدار قرارات دولية مفيدة جداً على الصعيد السياسي ولا سيما إذا تعقدت المشكلة ــ لا سمح الله ــ في المستقبل.
وفي تقديري أن هذا العدوان ليس له ما يبرره، فسياسة السعودية منذ وضع أسسها المؤسس الملك عبد العزيز آل سعود ــ يرحمه الله ــ كانت وما زالت مع الحوار وضد استخدام القوة المسلحة لحل المشاكل العالقة.
أمّا الخطوة السياسية المهمة التي نرجو أن تتخذها حكومتنا الرشيدة فهي أن تتجه إلى الحكومة اليمنية الشقيقة وتبحث معها كيف حدث التسلل من الأراضي اليمنية، ولماذا لم تستطع الحكومة اليمنية إيقاف هذا التسلل، وما الصيغة المناسبة للحكومتين والقوات المسلحتين السعودية واليمنية لصد العدوان وعدم تكرار مثل هذا التسلل وهذا الاقتحام الغاشم.
أمّا على الصعيد الداخلي، فإننا نرجو من حكومتنا أن تعلن إجراءات عاجلة بتعويض الضحايا والمتضررين من العدوان الغاشم، وبالذات عائلة الشهيد محمد القحطاني الذي أصابته رصاصات الغدر والعدوان الأرعن، ونرجو أن تكون التعويضات سخية، حيث تتناسب مع حجم الفاجعة والتضحيات التي قدمها هؤلاء الأشاوس الذين قدموا حياتهم فداء للوطن الغالي.
وبالمناسبة فإننا نشيد بالمشاعر الوطنية الفياضة التي عمت الشارع السعودي في كل أنحاء المملكة، وعبر فيها المواطنون عن استعدادهم لتقديم النفس والروح فداء لوطن القوة والخير والمحبة والسلام.
ولا مراء أن هذه المشاعر تؤكد في كل مرة أن الوطن الغالي لا يتجزأ، وأن أي اعتداء على أي شبر من أراضي هذه المملكة الفتية هو اعتداء مباشر على كل مواطن من أقصى البلاد إلى أقصى البلاد.
ويسعدنا جميعاً أن الجبهة الداخلية في كل جائحة من الجوائح تثبت أنها أقوى من أي وقت مضى، فهي دائما قوية ومتماسكة، وهي دائماً داعمة ومكملة للجبهات العسكرية والسياسية، ولا شك أن تماسك جميع الجبهات فوق هذه الأرض المباركة الطيبة سيجعل من أي محاولة بائسة ترتد إلى نحور أصحابها.
إن أمير منطقة جازان عبر عن رأي المواطن والمسؤول معاً حينما قال إننا كلنا معاً في مواجهة أي عدوان على حدود السعودية المحمية دائماً بمواطنيها وقبل ذلك بقوة خالقها - سبحانه وتعالى.