التبرعات للجمعيات الخيرية: لا يمكن الجمع بين الثقة والحذر
وفقا لمعلومات أوردتها جريد «الشرق الأوسط» فإن أحد عناصر شبكة الـ 44 التي ألقي القبض عليها قبل نحو شهرين كان رئيسا لمؤسسة رسمية للعمل الخيري، وقد ألقي القبض عليه بعد ثبوت استغلاله لموقعه الرسمي في المؤسسة. وفي سياق هذه المعلومات أشارت الصحيفة إلى تصريح اللواء التركي المتحدث الأمني بوزارة الداخلية والذي يؤكد أهمية الحذر عند التبرع «لكن دون أن نفقد الثقة بالعمل الخيري». المشكلة أن المعادلة لا تستقيم أبدا، فالحذر مع منح التبرعات لمسؤول أول في مؤسسة خيرية أمر يصعب تحقيقه في العادة، لأن الشك في كبار المسؤولين لدينا في هذا القطاع يعني فقدان الثقة تماما, ولن ينفع الحذر أبدا .. لماذا؟ لأنهم – أي المسؤولين الكبار في العمل الخيري – هم من يعدون الخطط الاستراتيجية للمؤسسة الخيرية، وهم من يقررون الأهداف العامة، وهم الذين يعتمدون المشاريع الخيرية، وطريقة تمويلها وقبول التبرعات، ولهم حق التوقيعات، وفوق كل ذلك فإنهم يعدون التقارير المالية ويختارون ويعينون ويقيلون مراجع الحسابات, وهم أيضا من يدفع له أتعابه فكيف - بعد كل ذلك - نقول احذر ولا تفقد الثقة؟ سأكون أكثر صراحة، فالعمل الخيري لدينا لم يزل عملا غير مؤسسي وإنما يقوم على علاقات وشخصنة التبرعات وخاصة من الأثرياء وكبار رجال الأعمال، حيث التبرع يتم ثقة بالشخص وليس بالمؤسسة الخيرية وأدواتها وطريقة عملها مهما مُنِحت هذه المؤسسة من تراخيص, ومهما عمل فيها من متخصصين، فالترخيص الحقيقي للتبرع هو شخصية طالب التبرع وعلاقاته بالمتبرعين, وهنا الكارثة. فبسبب هذه العلاقات لم تستطع الكثير من المؤسسات الخيرية تغيير رجالاتها أو كبار المسؤولين فيها مهما طالت بهم السنون لأن خسارتهم خسارة لمصدر التبرعات، وهم - من هذه القوة - يفرضون على المؤسسة الخيرية التوجهات والقرارات حتى وإن كان بعضهم غير ممثل في إدارتها التنفيذية.
من هنا وكلما سمعت عن العمل الخيري أجد سؤالا كبيرا يلح دوما عليّّ. ما الجهة المسؤولة بشكل مباشر عن العمل الخيري؟ هل هي وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف .. أم وزارة الشؤون الاجتماعية؟ هل هناك ازدواجية فيمن يصدر اللوائح الخاصة بالعمل الخيري؟ لأن الجمعيات الخيرية منها ما هو اجتماعي بحت ومنها ما هو دعوي بحت ومنها من يعمل بهذا لهذا, لكن التبرعات هي التبرعات، فالازدواجية تشكل تهديدا وعدم وضوح للرؤية العامة نحو العمل الخيري. لماذا العديد بل الكثير من الجمعيات الخيرية ليس لها جمعية عامة؟ من يختار رؤساء مجالس الإدارات؟ من ينتخبهم؟ ما الشروط الواجبة فيمن يقوم بمهام رئيس مجلس الإدارة؟ هل هناك فصل تام بين وظيفة الرئيس التنفيذي ورئيس مجلس الإدارة؟ هل هناك أعضاء مستقلون في مجلس الإدارة؟ هل هناك لجان مراجعة داخلية؟ لمن يوجه تقرير مراجع الحسابات؟ هل يوجه لمجلس الإدارة الذي أعد التقرير المالي ابتداء؟ هل يوجه للوزارة المعنية؟ هذا يتبعه سؤال أخطر، فمن يعين مراجع الحسابات ومن يدفع أتعابه؟ إذا عرفنا لمن يوجه التقرير عرفنا من يدفع له الأتعاب, وإذا عرفنا ذلك عرفنا الاستقلال وجودة عمل المراجع. عندما يصل الشك إلى قمة الهرم الإداري في المؤسسات الخيرية، فإن الثقة لا يمكن أن تستعاد إلا بتغييرات جذرية تنبع من لوائح قوية وواضحة ومحددة. لا يمكن للتصريحات أن تعيد لنا الثقة بالعمل الخيري ببساطة خاصة إذا كان كل واحد منا في شرق هذا الوطن أو غربه شماله أو جنوبه يعرف القائمين على العمل الخيري الذين لم يتم تغييرهم منذ سنوات طويلة؟ بل بعضهم لا يجوز الحديث - مجرد الحديث ناهيك عن الشك - في شخصه الكريم ولحومهم في هذا مسمومة.
وإذا كنا في مقام الأسئلة فإنني أطرح تساؤلا مهما لكل القائمين على العمل الخيري وخاصة تلك المؤسسات الضخمة منها. أين العمل الخيري في الإفصاح والشفافية؟ لماذا لا تنشر التقارير المالية للعموم وتكون عرضة للتحليل والمساءلة؟ لماذا لا تعلن الخطط الاستراتيجية لتنتقد؟ قد نجد عذرا للقطاع الخاص في التحفظ ونقص الشفافية، فالأمر يتعلق بالمنافسة, وهذا مفهوم لكن مع العمل الخيري (المقصود به وجه الله وحده) أين المنافسة وما عوائق الإفصاح؟ أتذكر قبل سنوات عدة أنني قرأت إعلانا لملخص مخل جدا للحساب الختامي لمؤسسة الخيرية كبرى ثم لم تنشر بعد ذلك ولا حتى تصريح عام. لماذا لا يوجد نظام يجبر المؤسسات الخيرية على نشر حساباتها الخيرية للعموم وفق معايير محاسبية صارمة حتى نتمكن من المقارنة والتحليل وبالتالي اتخاذ قرارات بتخصيص تبرعاتنا؟
إذا كنا فعلا نريد أن نستعيد الثقة بالعمل الخيري فيجب علينا أن ننقل المجتمع من الثقة بالأفراد القائمين على العمل الخيري مهما بلغوا إلى الثقة بآليات العمل التي تقوم عليها المؤسسات الخيرية نفسها، وهو لب القضية اليوم. يجب دفع المؤسسات الخيرية إلى التنافس المعلن على التبرعات لأن ذلك سيقود إلى مستويات أفضل من الشفافية وإرضاء المجتمع. فالثقة بالعمل المؤسسي هي الطريق الذي يجب أن نسلكه لإنقاذ الخيرية المشهور بها المجتمع السعودي. ولعل في تطوير مبادئ حوكمة (مبادئ لحوكمة المؤسسات الخيرية) الحل المنتظر.