رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


الأكاديميون العرب يلحقون بالسياسيين في إخفاء الحقيقة

أتى تقرير هيئة الأمم بالتعاون مع مؤسسة محمد بن راشد حول المعرفة في العالم العربي، بعد دراسة قاربت خمس سنوات، مخيبا للآمال على أكثر من مستوى. أكد التقرير ما يعرفه الجميع حول نسبة الأمية، بل حتى تزايدها في بعض الدول وقلة قراءة المواطن العربي وزيادة نسب التسرُّب من التعليم العام، ومن ثم قلة خريجي الجامعات وتدني كفاءة الجزء الأكبر من هؤلاء. كل هذه الأرقام ليست مفاجئة وقد يقول البعض إننا لا نحتاج إلى خمس سنوات لمعرفة هذه الحقائق. كذلك (ولعل هذا أدهى وأمر) ذلك الإصرار على أن الحل هو في الدوائر السياسية والاجتماعية. أكدت ذلك ندوات إعلامية وتصريحات المشاركين مثل الأستاذ الشارد من مؤسسة محمد بن راشد والدكتور تركي الحمد وغيرهما. هذا تأكيد آخر على أن العرب لم يتعلموا شيئا، بل إن مؤتمرات المعرفة والتنمية أصبحت ميدان مناورات سياسية ومزايدات ثقافية لا تصيب الهدف، ولديها دائما طرق عجيبة لتفادي الحقيقة.
يتحدث المثقف العربي مثلما يتحدث السياسي العربي مثلما يتحدث المواطن المضلل به على أن المعرفة والتعليم عالم مستقل ومثالي، ولذلك فإن الحل يأتي فقط حينما نستطيع أن نغير جلودنا ونركض وراء تلك المثالية، ما علينا إلا أن ندخل تلك الأبراج المثالية من تعليم كل طفل بما في ذلك من مدارس متكاملة تنافس أكثر المدارس تأهيلا في العالم، وأن تصبح كل جامعة عربية على نفس مستوى جامعات أكسفورد وهارفارد والسربون وإم أي تي وغيرهما، وما إن نحقق تلك المثالية حتى ندخل عالم الديمقراطية والمدينة الفاضلة وغيرها من الأحلام الوردية. هناك إشكالية في الزعم العربي واللوم العربي المبني على مثالية غير واقعية، وهنا مربط الفرس. فالسباق العالمي التنموي اقتصادي، وما التعليم إلا أحد عوامل المعادلة الاقتصادية. لا شك أن هناك نواحي أخلاقية وفنية واجتماعية وغيرها من أنواع النشاط الإنساني ذات الارتباط بالتعليم والمعرفة، ولكنها روافد فقط في النشاط الإنساني الأهم: تحسين مستوى الحياة المادية (الاقتصاد).
لا يمكن اختراق الدوائر السياسية والاجتماعية قبل اختراق الدائرة الاقتصادية، فهذه أسهل الدوائر من عدة نواح، حيث يسهل الإجماع حولها أكثر من الدوائر الأخرى (جرّب الإجماع السياسي أو الديني). كذلك يمكن قياسها ولذلك يسهل إقناع الناس بتمرير التغييرات والتعديلات في الدوائر الأخرى.
مسكين العربي، وحتى ذلك المثقف العربي الذي ما زال يذكر «المعرفة» كعنوان أساسي فهذه حقبة قد ولت. فمحرك البحث «قوقل» يحمل من المعرفة أكثر مما تستطيع مثالية العرب حمله وتصنيفه. بل إن بعض المثقفين ادعى أن سبب التخلف هو عدم الوحدة متناسيا الحقيقة الاقتصادية: ليس هناك علاقة بين الحجم والتقدم.
لفت نظري ذكر بعض المثقفين العرب لكوريا الجنوبية كمثال على النجاح والتعليم، ولكن لم يذكر أحد منهم جوهر الحقيقة: الضغط الكوري المتواصل للربح من خلال تأسيس شركات متخصصة في كل المجالات الممكنة بداية بالميزة التنافسية واستخدام التعليم والبحث لزيادة المردود المالي. ولعل هذا أفضل مثال على توظيف التعليم للهدف الحقيقي، ولكن المثقف العربي يصر على السياسة.
يقول المثل شر البلية ما يضحك.. فهذا العربي يناقش في دبي تلك المدينة العربية التي من المفترض أن تكون القيادية في النهج العربي الجديد، وإذا بنا نفاجأ بعقلية قديمة تغازل السياسة، ولكنها تفشل حتى في إحراج السياسي لأنها لا تصيب الهدف.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي