الرصيف للشجر وقارعة الطريق للبشر
فصل المشاة عن حركة السيارات هو المقصد الأهم من وجود الأرصفة في مختلف مدن وأمصار العالم، لكن الوضع في عامة شوارعنا عجيب غريب. الأرصفة إما غير موجودة وإما لا تصلح لاستخدام البشر إلا قليلا. نخرج من بيوتنا إلى المساجد فنضطر إلى السير في وسط الشارع معرضين أنفسنا لأذى وأخطار السيارات تعريضا كبيرا، ومع الوقت تعودنا على هذا الوضع الأعوج. نجأر من كثرة حوادث السيارات، ورغم ذلك لا نكلف أنفسنا بالتفكير والعمل الجاد على معالجة جذور المشكلة.
تربية وتعويد أطفالنا على السلوكيات المرورية السليمة ينبغي أن تكون أحد أهم محاور استراتيجياتنا للحد من الحوادث المرورية. ولكن أنى لنا أن نربيهم ونحن ننفذ شوارعنا وأرصفتنا بطريقة تجبر الناس والصغار خصوصا على المشي وسط الشارع؟ أي عقل وأي فهم جعلنا نصمم وننفذ الشوارع الداخلية بهذه الطريقة التي تخالف أبسط المبادئ في قواعد السلامة؟ لن تنجح أي استراتيجية للسلامة المرورية إذا لم يتعود الناس على استخدام الأرصفة بدلا من قارعة الطريق، وهذا التعود لن يتحقق دون توفير أرصفة صالحة للمشي في كل شوارعنا تقريبا.
وجود أرصفة لاستخدام المشاة هو من عناصر السلامة الأولى، لأنها تقلل من احتمال تعرض المشاة لأخطار السيارات التي اشتهرت بلادنا بكثرتها. كما أن وجود الأرصفة – من جهة أخرى - يسهم في رفع الوعي المروري لدى الصغار وأفراد المجتمع على المدى البعيد.
حسب ظني لا توجد لدينا أنظمة ومواصفات للأرصفة الآمنة والصالحة لاستعمال المشاة، وهذا عيب كبير. أما من جهة التنفيذ فإن الكل يعلم أن كثيرا من الشوارع عندنا خالية من الأرصفة أصلا، والشوارع المنفذة فيها أرصفة تتصف بأن أغلبها لا يصلح أو لا يحفز المشاة على استعمالها، ولذلك اعتدنا صغارا وكبارا على استعمال قارعة الطريق, أي السير فيما خصص لسير السيارات رغم خطورة ذلك. والخطورة تزداد كثيرا بالنسبة للأطفال حين خروجهم من وإلى البيوت والمساجد والمدارس.
إنني لا أدعي أن سير المشاة على الأرصفة يمنع نهائيا حوادث السيارات ضد المشاة، ولكن من المؤكد أنه يقلل احتمال وقوعها ويقلل عدد ونسبة المصابين من جرائها بدرجة كبيرة جدا، ومعلوم أن تقليل المفسدة مطلوب.
إن الواحد منا يتعجب كثيرا حين لا يرى اهتماما بعمل أرصفة تعزل المشاة عن حركة السيارات، خاصة داخل الأحياء، وإن عملت هذه الأرصفة فإن أكثرها ممتلئ بالعيوب المانعة من استفادة المشاة منها على الوجه المطلوب، أي أن معظمها عمل بطريقة لا تصلح للمشي. من هذه العيوب أن وسط الأرصفة (وليس حافتها) استعمل للزراعة وركبت فيه أعمدة الإنارة واللوحات الإرشادية بحيث يضيع الرصيف ولا يتبقى من جوانبه إلا مسافات ضيقة لا تصلح لاستعمال المشاة، مما يدفعهم إلى ترك الرصيف والسير في الشارع المخصص للسيارات. مدن كثيرة في العالم زرناها ورأينا أن الأشجار تزرع عادة على حافة الرصيف من جهة الشارع، بحيث تبقى مسافة كافية من الرصيف لاستعمال المشاة.
مشكلة أخرى في أرصفة الشوارع، وهي كونها مرتفعة نسبيا، والمفروض أن ينخفض ارتفاع الرصيف (على أن يحزم في معاقبة السائقين الذين يستخدمونه مواقف لسياراتهم ولو جزئيا)، وتزداد أهمية انخفاض الرصيف عند التقاطعات وعامة الأماكن التي يعبر منها المشاة الشوارع. مشكلة ثالثة وهي كون بعض الأرصفة في الشارع الواحد متفاوتة الارتفاع بشكل حاد فجائي، مما يدفع المشاة إلى عدم استخدامها. من الواجب أن تمنع السلالم أو الدرج بين الأرصفة، وهذا يعني أن يرتفع الرصيف وينخفض بسلاسة، تعكس ارتفاع وانخفاض الشارع، وهذا ما نراه منفذا عادة في الدول الأخرى الحريصة على سلامة وراحة المشاة. مشكلة رابعة وهي استعمال البيوت والمحال لجزء كبير من الرصيف درجا، مما يدفع المشاة أيضا إلى ترك استخدام الرصيف.
كون المشاة يسيرون في الشارع أو أن السيارات تقف على الأرصفة، هذا الوضع المقلوب له أثر تربوي سيئ خاصة عند الأطفال: ينشأون على قلة الاحتراس والحذر، ويتربون على الفوضى. وهذه الفوضى التي يتربى عليها الصغار تجعلهم قليلي المبالاة لقواعد السلامة المرورية حينما يكبرون ويتولون قيادة السيارات. يشتكي المرور وغيره من قلة الوعي. إن الوعي المنشود لا تولده الحملات المرورية، بل يكتسب بالقدوة ويكتسب عبر التعود لسنين طويلة، ولذا لا نستغرب أن تأثير حملات التوعية المرورية ضعيف لأن من شب على شيء شاب عليه. يجب أن نهتم بمعالجة جذور المشكلة، التي تعود الناس على أنماط سلوكية مرورية سيئة.
إن من العجب أن يوجد هذا العيب أصلا، رغم وضوح أنه عيب، ورغم سهولة تلافيه من المصممين والمنفذين. إن مصممي الطرق عندنا أو المشرفين على تنفيذها عاشوا في أو سافروا إلى دول متحضرة مروريا، ورأوا أن تصميم وتنفيذ الشوارع فيها يراعى فيه أقصى درجات الأمان المروري الممكنة، ومن أهم ذلك وجود أرصفة مناسبة للمشاة.
يجب أن توضع مواصفات وتصاميم الأرصفة المناسبة للمشاة، وأن يجبر أصحاب المباني على اتباعها في كل الشوارع أو على الأقل في الشوارع التي يزيد عرضها على عشرة أمتار، وهذا من المؤكد أنه يقلل من حوادث المشاة، ويساعد – مع غيره - على تغيير ما اعتاده أفراد المجتمع من سلوكيات مرورية سيئة.
نحن نعرف اتساع الخرق، لكن هذا ليس بعذر كاف لإبقاء الأوضاع على حالها.
إننا نؤمن بالقدر خيره وشره، لكننا نؤمن أيضا بأننا مسؤولون عن تصرفاتنا، ونحن مطالبون باتخاذ الأسباب، وعمل الاحتياطات لدرء أو تقليل المفاسد. وبالله التوفيق.