معهد الإدارة العامة وليد الإصلاح الإداري و50 عاما من العطاء
تأتي رعاية رائد الإصلاح الإداري خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله ــ حفظه الله ــ المؤتمر الدولي للتنمية الإدارية هذا اليوم الأحد, الذي ينظم بمناسبة احتفال معهد الإدارة العامة بمرور 50 عاماً على إنشائه (1380 ــ 1430هـ), تكريما ودعما ومساندة وتشجيعا لإحدى المؤسسات الوطنية المميزة التي تمثل عنصر التغيير وأداة التطوير الأهم في مشروعنا التنموي الوطني. كما أنه يدل دلالة واضحة على أن التنمية الإدارية تحتل أولوية لدى القيادة السياسية، كيف لا، والتنمية الإدارية أحد مكونات سياسة الإصلاح الإداري التي يقودها الملك عبد الله بن عبد العزيز وولي عهده الأمير سلطان رئيس اللجنة الوزارية للتنظيم الإداري، فمستوى التنمية الوطنية مرتبط بكفاءة وفاعلية أداء الأجهزة الحكومية, ويظهر ذلك جليا في ظل التحديات الكبيرة التي تواجهنا على الساحتين الداخلية والخارجية. لقد تصدى معهد الإدارة العامة لمهمة التدريب والتطوير وتحمل مسؤولية تحديث عملية صنع القرار الإداري العام. ولا شك أن معهد الإدارة العامة استطاع خلال سنوات عمره المديدة أن يقدم الكثير من الإنجازات والنجاحات وأن يؤسس لمعايير إدارية وثقافة تنظيمية، وأن يبث القيم والأخلاقيات المهنية والمهم أنه حافظ على أداء متميز ومستوى متطور طيلة الـ 50 عاما الماضية، ليكون مثالا يحتذى به ونموذجا للانضباط التنظيمي. والسر وراء ذلك هو أن المعهد منظمة تتعلم وتتفاعل مع بيئتها وتستوعب المتغيرات والمستجدات، ولذا لم يتوقف عند محطة واحدة من الإنجاز بل استمر في تصاعده وتجدده وملاحقته إن لم يكن استباقه لكل جديد في عالم الإدارة العامة ومجال التدريب والتطوير. ولذا لم يكن في أي لحظة غائبا عن الساحة الوطنية بكل ما تكتنفه من قضايا تتعلق بالأداء الحكومي بشكل مباشر أو غير مباشر. كما أن أبوابه ظلت مشرعة لجميع الأجهزة الحكومية بجميع مستوياتها المركزية أو الفرعية في المناطق والمحافظات ليستجيب لمتطلباتها في معالجة مشكلاتها أو البحث عن أوضاع إدارية أفضل ودعمها وتطويرها نحو التميز، فما أن تظهر مشكلة أو أزمة إدارية إلا ويهرع الجميع للمعهد بحثا عن حل، ليثبت المرة تلو الأخرى أنه دائما على أهبة الاستعداد لتلبية ندائهم وتحقيق متطلباتهم بمستوى مهني عال وأداء متميز. لقد اكتسب المعهد ثقة المجتمع بشكل عام والأجهزة الحكومية بشكل خاص بما يقدمه من برامج تدريبية واستشارات مهنية ودراسات ميدانية ومحاضرات ودورات تثقيفية نالت قبول وإعجاب الجميع بدقتها وجودتها ومستواها الرفيع. المعهد كان وما زال العنوان الأكبر والمهم في مجال تطوير الإدارة العامة السعودية ليس من الناحية الفنية التنظيمية وحسب، ولكن في إبراز أهمية الإدارة العامة كتخصص، خاصة بعد انحسار أقسام الإدارة العامة في الجامعات السعودية بإلغاء الكثير منها أو تقليصها بدمجها في أقسام وكليات أخرى، ليكون المعهد خط الدفاع الأول عن الإدارة العامة كتخصص وكمهنة وأن يظل في الساحة وحيدا يتولى التطوير الإداري للقطاع الحكومي. وقد يكون المؤتمر الذي نحن بصدده إحدى فعاليات المعهد وجهوده المميزة التي تسلط الضوء على أهمية تخصص الإدارة العامة وتنوه بدوره الرئيس والمتنامي في تحقيق التنمية الوطنية، وخاصة أنه يأتي في توقيت تواجه فيه دول العالم أزمة مالية خانقة جراء سياسات حكومية خاطئة لبعض الدول المتقدمة وتعثر لأنظمتها وإخفاق لأجهزة إداراتها العامة. هذه الأزمة العالمية أوضحت بشكل جلي أنه يتعين بذل جهد أكبر في دراسة الإدارة العامة وتطوير نظمها والبحث عن بدائل وأساليب جديدة لتحسين أداء الأجهزة الحكومية. والحقيقة أن الإدارة العامة كحقل معرفي وتخصص أكاديمي تحتل أهمية كبيرة في الدول المتقدمة حتى غدت هناك كليات متخصصة في الإدارة الحكومية ودعم سخي لبحوث ودراسات الإدارة العامة، على الرغم أن هذه الدول هي مهد الاقتصاد الرأسمالي، حيث تلعب الدولة (الحكومة) دورا مقتضبا في تنظيمه، إلا أنها وجدت أنه لا مفر من تطوير إداراتها الحكومية إذا ما أرادت أن تضمن فاعلية تنمية اقتصادياتها الوطنية. فالإدارة العامة تشمل جميع أجهزة الدولة ويقع على عاتقها تنفيذ السياسات العامة وتحويلها إلى مشاريع وخدمات لينعم بها الموطنون وتسهم في الوقت ذاته في بناء المستقبل وتقدم المجتمع اقتصاديا وحضاريا، وهي بذلك تمثل حجر الزاوية في التنمية الوطنية ومواجهة الأزمات الاقتصادية والاجتماعية. ولذا يتأكد يوما بعد يوم أن الإدارة العامة هي البوابة التي نلج من خلالها للمستقبل والسبيل لتطوير المجتمع والتقدم نحو العالم الأول. وكتصريح الأمير سلطان بن سلمان الذي نقلته جريدة «اليوم» بتاريخ 26 أيلول (سبتمبر) 2009م من «أن طموحات المملكة ومشاريعها تفوق مستوى الأجهزة الحكومية ما يتطلب من الأجهزة الحكومية الدخول في السباق مع هذه المشاريع والطموحات لمواكبتها». لقد أضحى من الضروري أن نرتقي بأداء الأجهزة الحكومية لمستوى طموحات القيادة السياسية وتطلعات المواطنين، وهذا يؤكد مرة أخرى الدور الحيوي والمهم لمعهد الإدارة العامة في التنمية الإدارية الوطنية ما يحتم الاستمرار في دعمه وتهيئة السبل نحو توثيق علاقته بأقسام الإدارة العامة في الجامعات الوطنية والأجهزة الحكومية في مجالات التطوير والبحوث لضمان مزيد من النجاحات وتوسيع دائرة التنمية الإدارية وتعميقها لتتناول القضايا الحساسة والجوهرية في الإصلاح الإداري وليس الاكتفاء بالتركيز على النواحي الفنية التطويرية فقط.
إن التقييم الموضوعي والمنصف يقود إلى نتيجة مفادها أن معهد الإدارة العامة ودون مبالغة أفضل مؤسسة حكومية على الإطلاق أداء وتميزا ذلك أنه لم يعمل بمعزل عن التنظيمات الحكومية والثقافة البيروقراطية السائدة مثل تلك المؤسسات الحكومية التي رأت أن تنأى بنفسها عن المجتمع وحققت نجاحها في بيئة مستوردة فنالت حظا وافرا من الإعجاب والتقدير، فعلى قدر أهل العزم تأتي العزائم! وعلى أن ذلك لا يقلل من التقدير لنجاحات مثل شركة أرامكو السعودية بوصفها النموذج المثالي، إلا أن تقييم الأداء والنتائج يجب أن يكون مرتبطا بالمدخلات والإمكانات والموارد المتاحة من ناحية ودرجة صعوبة قياس وتحقيق الهدف من ناحية أخرى. المعهد بخبراته الوطنية المميزة من قياديين وتنفيذيين وباحثين ومدربين استطاع أن يبني قدراته الذاتية وأن يوثق التجربة الإدارية الحكومية السعودية وأن يسهم في تطويرها. لقد حظي المعهد بقيادات مميزة ذات رؤية ثاقبة ونظرة استراتيجية بعيدة المدى متفانية مخلصة أسهمت في تطويره من منظمة إلى مؤسسة ذات قيمة اجتماعية كسبت احترام الجميع ليصبح المعهد مرجعا موثوقا ذائع الصيت للإدارة العامة السعودية. السبب وراء استمرار نجاح المعهد طيلة الـ 50 عاما الماضية هو التأسيس لتقاليد وقيم مهنية متميزة وثقافة وفكر ورؤية إدارية واضحة. على هذا النهج تتابعت أجيال القياديين في المعهد في تسلسل منتظم سلس، بحيث كل مدير عام يعد من بعده ليتولى المهمة! ولذا لم يواجه المعهد أي تراجع أو تدن في المستوى أو تغيير في وجهته بل ظل على المنوال ذاته من المهنية العالية والترابط والعمل بروح الفريق الواحد. فهنيئا للوطن بهذه المؤسسة العريقة وهنيئا لجميع المختصين والمهتمين بالإدارة العامة السعودية هذه الاحتفالية بالإنجاز ومؤتمر التنمية الإدارية الذي يأمل الجميع أن يكون انطلاقة نحو آفاق أرحب للإدارة العامة السعودية.