كيف نواجه الخطاب المعادي للإسلام؟
نعيش اليوم في زمن الكلمة. والكلمة قد تجرح وتقتل بفعل قد يكون أكثر إيلاما من السيف والبندقية. ولم يكن للكلمة التي هي جزء أساسي من الخطاب تأثير مثل الذي لها اليوم. وإذ تدخل البشرية عصر الثورة الصناعية الثالثة، فإنها أخذت تعتمد على ما نطلق عليه «تقنية المعلومات». ولا يخفى ما للكلمة من دور في هذه الثورة الصناعية لدرجة أن بيل جيتس، وهو من أبرز علمائها وروادها، أطلق على واحدة من برمجياته الشهيرة اسم «وورد» أي الكلمة.
وفي الخطاب السياسي والثقافي غالبا ما نستخدم الكلمة للبرهنة أننا الأفضل وأكثر شأنا والآخرون أقل منا منزلة وشأنا. وهذه الحالة الإنسانية السلبية نطلق عليها صيغة «نحن» و»هم». فـ «نحن»، تعني كل ما يتعلق بثقافتنا و»هم» تعني كل ما يتعلق بثقافتهم. وبمعنى آخر أننا نصنّف البشر إلى فئات وطبقات تزداد أهمية ثقافتها في أعيننا إذا كانت جزءا من «نحن» أما «هم» فلا قيمة لهم ما لم يصبحوا جزءا لا يتجزأ من «نحن» وإن تطلب الأمر إجبارهم على مغادرة ثقافتهم.
وفي الأسبوع الماضي ظهر خطاب فئوي فيه تصنيف للشعب السويدي إلى «نحن» و»هم» في واحدة من أكثر الجرائد السويدية انتشارا وتأثيرا. والتصنيف الخطابي وضع المسلمين في خانة «هم» وغير المسلمين في خانة «نحن». وصاحب المقال رئيس حزب صغير لم يصل إلى البرلمان حتى الآن. ومما قاله إن الإسلام يشكل أكبر تهديد للسويد بعد الحرب العالمية الثانية وإن المسلمين في السويد بدلا من أن يندمجوا في المجتمع يريدون أن يندمج المجتمع فيهم ويغير من تقاليده من أجلهم. واتهم المسلمين بتكوين مجموعات إرهابية في السويد وزيادة نسب الاغتصاب والجريمة. وحذر أن السويد في خطر ما لم يتخذ أصحاب القرار إجراءات لوقف «الأسلمة» ووضع حد لنمو السكان وتأثير المسلمين.
هكذا خطاب ليس فيه شيء جديد فهو تكرار لما يظهر في بلدان أوروبية أخرى، ولكن ظهوره في السويد كان له وقع الصاعقة ليس على المسلمين ولكن على الاتجاه السائد والعام في المجتمع ومناحي الحياة المختلفة ولا سيما السياسية منها. وما أدهشني كان سرعة الرد العقلاني والمنطقي من قادة السويد السياسيين وغيرهم مما لم يترك لنا نحن المتشبعين بالحضارة العربية الإسلامية أي مجال وحجة للرد. وما أدهشني كذلك كان رباطة الجأش التي تعامل بها المسلمون السويديون مع خطاب عدائي ومسيء أتاهم بغتة ومن حيث لا يدرون.
فالرسميون السويديون لم ينتظروا ردّ المسلمين من مواطنيهم فيما إذا كانوا غاضبين أم لا. وأول من انبرى رافضا الخطاب كان رئس الوزراء. ومن جامعة كوثنبرك، حيث كان في زيارة لها، استخدم عبارات نقدية تشبه إلى حدّ كبير ما نستخدمه نحن الأكاديميين عند نقدنا النصوص الإعلامية، وقال: «مثل هؤلاء يريدون تصنيف البشر وخلق مفهوم – نحن – وهم – في المجتمع.. وإنني كرئيس للوزراء أقول للمسلمين والمسيحيين وغير المؤمنين في السويد أنه عليهم العيش بعضهم مع بعض واحترام الواحد الآخر. وهذا هو المجتمع الذي أنشده. وهذا هو المجتمع الذي أود أن يتربّى فيه أولادي».
وبدأت المؤسسة السويدية الرسمية بدراسة المقال وتمحيصه من جميع الجوانب بأسلوب حضاري. ولم تمض ساعات حتى أدلى رئيس الاستخبارات السويدية بتصريح ينفي فيه تهمة الإرهاب ضد المسلمين، وقال: «لا أفهم ماذا يريد هذا الرجل.. وعلى أي شيء يستند؟ نحن ليس لدينا معلومات كهذه».
وانبرى ضد المقال قادة الأحزاب كافة ووصفوا كاتبه بالعنصرية والنازية وأقسموا أنهم لن يتعاملوا أو يأتلفوا مع حزبه مهما كلف الأمر، وسيعملون ما في وسعهم لمنع وصوله إلى البرلمان. وتدخل كل صاحب شأن في القضية. فالمهتمون بشؤون المرأة نفوا نفيا قاطعا أن يكون المسلمون سبب النسبة العالية لحوادث الاغتصاب في السويد مقارنة بالبلدان الأوروبية الأخرى التي عزوها إلى الانفتاح وعدم الخوف لدى الضحايا في مجتمع شفاف وديمقراطي مثل السويد. وقد تابعت الموضوع عن كثب ولم ألحظ أي تعاطف مع الكاتب. وأكثر الكتابات نقدا ظهرت في الجريدة التي نشر مقاله فيها.
وما استرعى انتباه الجميع كان موقف قادة المسلمين في السويد. لم يواجه المسلمون العدائية والإساءة في المقال بمثلها. لم تظهر فتاوى إهدار الدم ولم يخرج المسلمون إلى الشوارع هاتفين ضد كاتبه. ولكنهم لم يلتزموا الصمت أيضا. في ردهم دافعوا عن بلدهم الجديد وعن إسلامهم في الوقت نفسه. دافعوا عن ديمقراطية وتسامح بلدهم الجديد واستعدادهم للذود عن كل المفاهيم الإنسانية التي من خلالها أوتهم السويد وأكرمتهم.
والمقال كان مناسبة للسويديين أن يتعرفوا ربما لأول مرة على المسلمات السويديات وهن يعملن في أرقى مجالات الحياة مثل مريم يزدنفار، عضوة البرلمان عن حزب اليسار، ونالين بيكول، رئيسة اتحاد النساء للحزب الديمقراطي الاشتراكي المرشح للفوز في الانتخابات المقبلة. وبرز أيضا بيزات بيسيروف، رئيس المركز الإسلامي في مدينة مالمو. وكم كان رائعا جوابه عندما سأله صحافي فيما إذا كان يعترض على نشر مقالات كهذه في الإعلام السويدي: «رغم أنني لا أتفق مع المقال إلا أن نشره كان شيئا جيدا.. (المقال) أعطى فرصة للمسلمين أن يبرهنوا إلى أن السويد هي بلدهم الجديد وأنهم سيدافعون عن الديمقراطية السويدية.. والتي يعترف الجميع بأنه لا توجد ديمقراطية أخرى أفضل منها في العالم.. وإنني أوجه دعوة إلى جيمي أوكيسون (كاتب المقال) لزيارة الجامع في مالمو».
كم هو مسكين جيمي هذا لأنه تصور بهجومه على الإسلام أنه سيزيد من حظوظه في الانتخابات المقبلة. وربما تصور أنه يعيش في بلد آخر. ردة الفعل على مقاله جعلت الكثيرين يتركون حزبه وحتى كتابة هذه السطور قدم اثنان من كبار قادة حزبه الاستقالة.
هل يحق لي أن أسأل كيف كان العرب المسلمون سيتعاملون مع خطاب مماثل في إعلامهم إن ظهر؟ بعد نحو 20 مقالا هل يحق لي أن أقول كيف سيتعامل العرب المسلمون مع خطاب معاد ومسيء إلى ثقافة إسلامية تختلف عن ثقافتهم؟ وكي أكون صريحا مع قرائي الأعزاء هل من حقي أن أسأل كيف يتعامل العرب المسلمون مع خطاب فئة مسلمة تحلل قولا وفعلا محاربة وقتل فئة مسلمة أخرى لأنها ليست «نحن». وإلى اللقاء،،،،