رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


يا مجلس الشورى: هل تاهت التنمية بين إنتاج النفط و كنزه؟

طالعتنا الصحف المحلية هذا الأسبوع وفي صفحاتها الأولى النقاش الحاد “جدا” والخلاف الجوهري والثري الذي دار بين أعضاء مجلس الشورى حول إدراج “توصية” للمناقشة، تدعو إلى “المحافظة على الثروة النفطية وترشيد استخداماتها والتوسع في الصناعات القائمة عليها”، وذلك ضمن جلسة لمناقشة وإقرار الأهداف العامة لخطة التنمية التاسعة. يبدو أن النقاش قد انتقل من مجرد توصية إلى سؤال اقتصادي ضخم حول الأجدى للوطن والمواطن: إبقاء النفط مخزونا أم ضخه في عروق الاقتصاد؟ الحقيقة أن هذا يرسم علامة استفهام كبيرة. ففي خضم مناقشة “أهداف لخطة تنمية” ومن خلال ما نشرته الصحف فقد تم إقرار 13 هدفا. هل قرأت ذلك، عزيزي القارئ، إننا نتحدث عن 13 هدفا لخطة التنمية التاسعة وتحت قبة مجلس الشورى ثم نسأل ببساطة عن حال الأجيال المقبلة فعن أي خطط وعن أي تنمية نتحدث ونقصد؟
المسألة كبيرة جدا “على الأقل من وجهة نظري”. كيف نناقش مسألة التنمية وأهدافها وهي خطة للمستقبل وللأجيال المقبلة ثم نطرح تساؤلا خارج النص ونقول هل نكنز الذهب أم ننفقه، بينما كان الأجدى أن نسأل هل هذه الخطة وأهدافها ستضمن للأجيال المقبلة ما نريد أن نضمنه لهم أم لا؟ أما النفط فهو وسيلة وليس غاية. كيف يمكن مناقشة خطط للتنمية والمستقبل وكيف نقر مسائل مثل المنشآت الصغيرة ودعمها بينما لم نحسم خلافنا حول تعريف مفهوم التنمية ذاته ولمن هي. لقد شعرت وأنا أقرأ هذا الخبر بحالة من فقدان التوازن الفكري. فبينما يتحدث العالم عن اقتصاديات المعرفة وتعمل حكومة خادم الحرمين الشريفين على إحداث نقلة علمية هائلة وتوطين المعرفة والصناعات المتقدمة، وفتح الجامعات العالمية الطراز، تبدو الرؤية مع هذا النقاش في مجلس الشورى مختلفة، وهناك من يرانا مجتمعا ريعيا يجب عليه أن يفكر ويعيش هكذا حتى الأجيال المقبلة. لست مع أو ضد النقاش حول إنتاج النفط أو كنزه ولكنني ضد أن نفقد البوصلة والاتجاه العام، بينما نحن نناقش “خطط” تنمية.
الأغرب من ذلك أن يأتي هذا الخبر مع إعلان كبير لوزارة التجارة والصناعة تدعو فيه العموم إلى إبداء مرئياتهم حيال “خطط” تنفيذ “الاستراتيجية” الوطنية للصناعة. فهناك استراتيجية وهناك خطط وكل منهما بالتأكيد للمستقبل، والمستقبل ملك للأجيال المقبلة، كما أن الصناعة مشروع للتنمية ولذلك صَدّرَتْ وزارة التجارة إعلانها بعبارة خادم الحرمين الشريفين التي تمثل رؤية تنموية استراتيجية مهمة وهو يقول - حفظه الله - (الصناعة خيارنا لتنويع مصادر الدخل) فهل كانت هذه الرؤية “الواضحة” جدا لخادم الحرمين الشريفين تتصدر أهداف خطة التنمية التاسعة’ التي ناقشها أعضاء مجلس الشورى؟ هل كانت الاستراتيجية الوطنية للصناعة التي تعمل عليها وزارة التجارة والصناعة وأهدافها ضمن النقاش؟ إذا كانت الإجابة بلا فتلك مصيبة وإن كانت نعم فالمصيبة أعظم. فالخطط الاستراتيجية تختلف تماما عن موضوع تمويلها، قد نمولها من خلال إنتاج نفطي أكثر أو من خلال الاقتراض أو أي مصدر آخر لكن من المؤلم أن يتحول الحديث من خطط تنمية المستقبل إلى خطط لتوفير المستقبل وكنزه. فالاستراتيجية الوطنية للصناعة كمشروع للأجيال المقبلة تختلف تماما عن موضوع تمويلها. قد تأتي مناقشة التمويل في مرحلة أخرى متقدمة لكن يجب ألا تطغى على التفكير والرؤية الاستراتيجية نفسها.
ونبقى في دائرة الأسئلة المهمة حول التوافق الضروري بين خطط التنمية والاستراتيجية الوطنية للصناعة وهل هما مشروعان منفصلان أم جزءان في مشروع واحد أم أن هذه تتبع تلك؟ من المفترض أن تخضع جميع الخطط في جميع الوزارات والمؤسسات لاستراتيجية بعيدة المدى للاقتصاد السعودي والتي تتبناها وزارة الاقتصاد والتخطيط وتغطي أربع مراحل حتى 1445هـ، وتنص في رؤيتها على أن الاقتصاد السعودي “سيكون ـ إن شاء الله ـ بحلول عام 1445هـ اقتصادا متطورا منتعشا ومزدهرا، قائما على قواعد مستدامة، موفرا لفرض عمل مجزية لجميع المواطنين القادرين على العمل متسما بنظام تعليم وتدريب عالي الجودة والكفاءة وعناية صحية متميزة متاحة للجميع، إضافة إلى جميع الخدمات الأخرى اللازمة لتوفير الرفاهية لجميع المواطنين وحماية القيم الاجتماعية والدينية والحفاظ على التراث”. من المفترض أن تخضع جميع الخطط الاستراتيجية سواء التعليمية أو الصحية أو الصناعية إلى هذه الرؤية الاستراتيجية العامة، وأن يتم التنسيق فيما بينها بأي طريقة ولو بتشكيل لجان خاصة وإلا فإننا سنصبح مثل فرق عدة في سفينة ولكل منهم دفة وشراع، الكل يدعي الإنجاز والتقدم والسفينة تدور حول محورها ثابتة المكان، بينما نتحدث وببراءة عن حال الأجيال المقبلة وهل ننفق النفط أم نكنزه.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي