مدونات الإنترنت «الشخصية» والملاحق الثقافية .. منافسة التعبير أم فوارق التأثير؟
حققت المدونات الشخصية على شبكة إنترنت في الآونة الأخيرة انتشارا منقطع النظير إلى الحد الذي أصبحت فيه هذه الوسيلة الإعلامية الجديدة ظاهرة لافتة للنظر في الأوساط الإعلامية والثقافية والاجتماعية. ولعل سهولة إعداد مثل هذه المدونات تساعد على انتشارها وزيادة عددها، إذ لا يحتاج المرء سوى أقل من خمس دقائق لإنشاء مدونة على الإنترنت سواء بالاسم الحقيقي أو المستعار دون رقابة أو تصريح، ويصبح المالك والمحرر ورئيس التحرير وصاحب الامتياز. ومن مميزات المدونات أنها تتيح لكل مستخدم للشبكة أن يصبح صحافيا أو كاتبا ومنتجا للمادة التي يكتبها، بتعبير آخر تسهم في ظهور ما يمكن تسميتهم «الإعلاميون الجدد» وفي ظهور ما أصبح يعرف بالإعلام البديل أو الإعلام الجديد. كما أنها أصبحت طريقة سهلة ومضمونة للتحايل على الرقيب، سواء كان الرقيب السياسي أو الثقافي أو الاجتماعي.
يقول محمد السليمان صاحب إحدى المدونات إن ظاهرة انتشار المدونات أصبحت لافتة للنظر وحظيت باهتمام الأوساط الثقافية والإعلامية إلى حد أن البعض أصبح يتنبأ لها بأنها ستصبح في المستقبل القريب بمثابة إعلام بديل عن الملاحق الصحافية، بل إنها قد تشكل منافسا خطيرا لوسائل الإعلام التقليدية أو الملاحق الثقافية, وذلك بسبب قدرتها على لفت الأنظار إليها بسرعة ونظرا لسهولة الوصول إليها والتفاعل من خلالها مع مختلف القضايا. كما أنها لا تتطلب رأسمالا ضخما ولا إلى تصريح من قبل السلطات, وهي عموما لا تسعى إلى الربح.
أضاف السليمان أن المدونات تعمل على إيجاد نافذة وجسور بين المهتمين مع انتشارها وزيادة في التواصل على الرغم من حداثتها تكون متنفسا لكثير من الشباب الذين يريدون التعبير عن آرائهم أو حتى الكتابة الأدبية ومدى جاذبيتها لدى الشباب, فإنها تؤثر في آرائهم وتفكيرهم, إضافة إلى أنها طريقة لتفادي العوائق التي تضعها الملاحق الثقافية أمام قيود النشر وحرية التعبير.
ويعلق فادي سعيد صاحب مدونة ثقافية على الشبكة,: «إن العالم العربي يشهد ظاهرة المدونات الشخصية انتشارا ملحوظا في السنوات القليلة الماضية حتى أصبحت تعد بالآلاف. وكونها سلاحا ذا حدين فإنها تشكل بديلا لوسائل الإعلام الخاضعة للرقابة ومتنفسا لممارسة النقد أمام أولئك الذين يرغبون في نشر نتاجهم الشعري والنثري. ووسيلة أفضل للتعارف وتكوين الصداقات وتجاوز الحدود أيا كانت،» مضيفا « المدونة الشخصية لا يمكن أن تحقق الربح الاقتصادي لكن أعتقد أن الملاحق التي تهتم بالشأن الثقافي ستتأثر بها».
#2#
وأضاف فادي «المدونات في العالم لم تلق بعد حصتها من التشجيع، ولذا فنحن في حاجة إلى إلقاء الضوء على هذا النمط الجديد من التحليل والنتاج في المجالات كافة، وأعتقد أن هناك كثيرا من دور النشر التي تبحث عن الكتاب المشهورين من خلال المدونات», معتبرا أن المدونات في العالم الغربي بدأت تنافس الصحافة والملاحق ومراكز الأبحاث, خاصة في أهميتها لإيجاد أفكار جديدة وطرحها على المستويين المحلي والعالمي, ولذا سيكون للمدونات دور كبير في هذا المجال، وعلى سبيل المثال جاءت مسابقة «دويتشه فيله» لتسليط الأضواء على هذا الوسط المهم وكذلك تقويته ودعمه.» كما أن هناك تعاونا كبيرا وتواصلا بين المدونين العرب وكثير من المواقع والمؤسسات الأجنبية، حيث يقوم بعض أصحاب هذه المدونات بعمل روابط بكثير من المدونات والمواقع الأخرى «لأن هذه هي الطريقة المجدية في التعاون والتطوير وكذلك التواصل مع الآخرين عن طريق الروابط المشتركة».
تؤكد رندا إسماعيل التي تدير مدونة على الشبكة أن تنوع وسائل التعبير عن الرأي وتطور طرق التواصل الإلكتروني انتشرت في الآونة الأخيرة عديد من المواقع الشخصية التي تعرف بالمدونات أو (البلوج)، حيث تسمح هذه المدونات لأصحابها كتابة بآرائهم وأفكارهم بحرية مطلقة, وتعتبر رندا أن الدافع وراء إنشاء تلك المدونات ومزاحمتها الملاحق هي أحقية النشر وعرضها الأفكار وكذا المشاركة في الرأي, وتبقى مسألة نمط المفاخرة وإبراز الذات تأخذ طابعا مختلفا وسببا أقل في إنشائها.وتضيف رندا: لا نستطيع القول إن المدونّة تشكل منافسا خطيرا للملاحق الثقافية بمعنى كلمة «الخطير» على وجود مناف, ولكنها منافس «قوي»على أية حال لوسائل الإعلام التقليدية والملاحق الثقافية بشكل عام , فكما تبرز معوقات في إنشاء المدونّة الثقافية أهمها ثقة المدوّن نفسه بما سيعرضه على الجميع, هناك أيضا معوقات تتحملها الملاحق الثقافية أبرزها محدودية الانتشار, وهو ما يعني عندما تنشر مقالا في ملحق ثقافي فإنك حينها لن تستطيع الوصول إلى القارئ بسهولة أسوة بالمدونّة الثقافية».
وأشارت إلى أن المدونّات الثقافية تكسر مقص الرقيب وحاجز العزلة وهي شاسعة ومتنوعة وتتبنى شبكات اجتماعية حوارية ولها القدرة على صناعة القرار, وهي لا تحتاج أيضا إلى تكلفة للبحث عن المادة فيها, وهذا ما لا يتوافر في الملاحق الثقافية التي تستطيع تصنيف ما يُنشر فيها حسب من يقف خلفها. الحرية في الملاحق الثقافية متقلصة وتبدو تابعة لثقافة المحرر, لكن هذا لا ينفي أهمية الملاحق بالنسبة للمدونّات الثقافية التي لن تكون أبدا بديلة للملاحق الثقافية هناك من المدونّات من يملكها هواة, وما يعرضونه قد يعد ضجيجا شخصيا وقد يطولها أيضا التكرار وسياسة النقل والقص واللصق, كما أنها لا ترقى إلى قوة كتّاب الملاحق الثقافية في العرض, التي من الصعب أن تقرأ لهم أحيانا إلا في هذه الملاحق, إذ إن أغلبيتهم غائبون عن التدوين بشكل ما, وكمثال لدينا «كتاب في جريدة» , وهو الملحق الثقافي الذي تدعمّه «منظمة اليونسكو» , الذي تبنى الكتابة فيه كتّاب ممتازون كمحمود درويش وعمر أبو ريشة وغيرهما, الأثر حيادي في الملاحق والمدونّات الثقافية, وكل منهما يؤثر في الآخر ما في ذلك شك.