سوق العمل: أفق حل مخيف
على أثر القصور الواضح في نظام الكفيل والتشوّهات المزمنة في سوق العمل هيكليا ونظاميا وحتى إداريا ذكر في الغرفة التجارية في جدة اقتراح حول تأسيس مجلس استقدام واحد يحدد حاجة الجميع ويوزع التأشيرات حسبما يراه مناسبا، على ظاهره هذا حل «جيد» للحد من الخلل في توازن سوق العمل وتقليل الشكاوى من بعض الشركات وخاصة المتوسطة والصغيرة في جلب كفايتها من الأيدي العاملة، والحد من العمالة الموجودة في الطرقات للترحيل. كما ذكر في السياق نفسه أن تحويلات العملات الأجنبية بلغت نحو 164 مليار دولار على مدى السنوات العشر الماضية، وأن هذا المجلس سيحد من هذا النزيف المالي. بدأت هذه الفكرة تتبلور وكأنها حل إداري تنظيمي سحري لجميع الإشكاليات البشرية والاقتصادية في سوق العمل. قبل الدخول في تحليل هذا الاقتراح دعنا ندخل في رسم معالم سوق العمل والبيئة المحيطة به. الواضح أن قبول استحقاقات الاقتصاد الريعي تمنعنا من تحديد أولوياتنا الاقتصادية خاصة البشرية منها. فتجدنا كلما دخلنا في نقاش حول سوق العمل بدأت المساومات غير المتزنة وغير المرتكزة على أسس اقتصادية. فهناك من يدافع عن العمالة المنزلية وأن هذه «تختلف» وهذا يذكر أن العمالة الماهرة «تختلف» هذا في مستوى وفي مستوى آخر هناك من يقول إن المشاريع الكبيرة لتنفيذ مشاريع البنية التحتية تستحق أولوية بينما تجارة التجزئة هي من يستحق مطرقة الرقيب البيروقراطي. ما يجمع هذا التدافع والدفاع هو في قلب الاقتصاد الريعي: حقيقة أن المصلحة معادلة مجموعها صفر وأن القرص لا يكبر ولذلك عليك الاستفادة كل حسب قدرته عن الدفاع عن مصالحه التي في الغالب على حساب المصلحة العامة. والحقيقة أن هناك بعض الحق فيما يقال ولكنه في الغالب الحق الجزئي على حساب الكلي. لذلك تجد الحلول في غالبها ترقيعية ومحاولة للتهرب من استحقاقات الإصلاحات الجذرية في الاقتصاد. الحل السحري المقترح يُذكر أي مراقب للاقتصاد بهيئات التصدير (مع عكس المعادلة) في كثير من دول العالم الثالث. هذه الهيئات تأسست لجمع المحاصيل الزراعية من الفلاحين ثم تصديرها وتوزيع العوائد على المزارعين لاحقا. النتيجة العملية في كل الأحيان تقريبا أن تتحول إلى طبقة بيروقراطية بين المنتج والمستورد هذه الطبقة مع الوقت أصبحت عالية التكاليف وفاسدة وأسهمت في تشويه القطاعات المنتجة ونقل الثروة من المزارع إلى الموظف الحكومي. الدرس الآخر أن الاحتكار دائما مدخل للفساد والحد من الإبداع والإنتاجية. وآخر ما نحتاج إليه في بلادنا هو مزيد من الاحتكار. النوايا الطيبة لتأسيس هذا المجلس لن تلامس الإشكاليات الأساسية بل لعلها تأتي بفساد أكبر وصندوق أسود لا يعرف طلاسمه إلا منه داخله. عدو الاقتصاد الناجح هو تلك الصناديق السوداء. فهذه عدوة الشفافية والمنافسة الشريفة. لا تسمح هذه المقالة تقديم حلول ولكن أحد الحلول هو معرفة أن بعض الحلول تحمل ضرر أكثر من نفع لذلك يجب تفاديها.