معهد الإدارة العامة.. بعد نصف قرن!
تبدأ في الأسبوع المقبل احتفاليات معهد الإدارة العامة بمناسبة مرور 50 عاماً على تأسيسه. والواقع أن تاريخ المعهد تاريخ عريق وعميق وحافل، وهو كمؤسسة تدريبية وتعليمية يعد ـ بكل المعايير ـ مفخرة من مفاخر الإصلاح الإداري في السعودية، بل يعد معهد الإدارة العامة واحداً من أهم المعاهد التدريبية التي أنشئت في القرن الـ 20 في منطقة الشرق الأوسط. ولكن إذا أردنا أن نحكم على المعهد من مخرجاته، فإننا سنقف مذهولين أمام أرقام كثيرة من الخريجين قبالة أرقام أكثر من المشكلات الإدارية المعرقلة لمسيرة التنمية الإدارية.
ربما يكون من غير المناسب في مناسبة الاحتفال بمرور 50 عاماً على تأسيس معهد الإدارة العامة أن نشير إلى مظاهر متعددة من التخلف الإداري الذي تعانيه بعض المؤسسات الحكومية، فالمناسبة هي مرور نصف قرن من الذكريات العطرة للخريجين، وكان يجب أن يغمرنا الفرح ونتبادل الذكريات العطرة بهذه المناسبة التي تستثير فينا عبق التاريخ والذكريات الجميلة.
ولكن السؤال: هل المؤسسات العلمية تحتفل بأعيادها الفضية والذهبية والماسية بإقامة أقواس النصر على أعمدة الرومانسية، أم أنها تقدم في هذه المناسبة كشفاً موضوعياً بالحساب، وتحاول أن تكون المناسبة محطة لتجديد الانطلاق ووضع أسس جديدة لقهر التخلف الذي ما زال يعرقل الكثير من برامج ومشاريع الدولة رغم وفرة الاعتمادات المالية.
ونستطيع القول إن المستوى العالي الذي بلغه المعهد لم يستطع أن يواجه المستوى العالي الذي بلغه الفساد الإداري الذي مازال يعلو كلما ارتفع المعهد في الإمكانات والشكل الخارجي.
وها هي الوزارات والمؤسسات الحكومية تشكو من الترهل الإداري وتئن من الفساد الإداري، وتحمل التخلف الإداري مشكلات عدم تنفيذ مشاريعها وبرامجها، وربما تأتى مشاريع البلديات والتعليم والكهرباء والمياه والصحة والتجارة والإعلام والزراعة بل حتى القضاء في مقدمة المؤسسات الحكومية التي تشكو التخلف الإداري رغم مرور 50 عاماً على إنشاء المعهد.
إن المشكلات التي يعانيها المواطن من أداء هذه المؤسسات لا تعطي صورة زاهية عن أداء المعهد، ولا تعطي صورة زاهية عن أداء كل كليات الإدارة في الجامعات السعودية حتى الكليات المستقلة التي تتخصص في العلوم الإدارية لم تستطع أن تحل طلاسم المشكلة الإدارية التي تعانيها البيروقراطيات السعودية، وهنا تتجسد أهمية دور الزعامة الكبيرة المتمثلة في معهد الإدارة العامة الذي كان المفروض أن يفك الطلاسم ويضع الحلول الحاسمة.
إن أداء البلديات والزراعة والكهرباء والمياه والصرف والتجارة والتعليم والإعلام، بل حتى القضاء يقدم صورة من صور الفساد المستشري في كثير من أوصال المؤسسات الحكومية.
إن الدكتور صلاح المعيوف نائب مدير عام المعهد لشؤون التدريب أدلى بتصريح تقليدي لبعض الصحف السعودية قال فيه إن عدد المتدربين الذين أنهوا دورات تدريبية في البرامج العامة بلغ 442457 متدرباً، وإن عدد المتدربين الذين أنهوا دورات تدريبية في البرامج التدريبية الخاصة بلغ 24685 متدرباً. وهذه التصريحات هي تصريحات نمطية عن عدد الخريجين ولكنها ليست تصريحات تمس جوهر المشكلة الإدارية في النظام الإداري السعودى، وهنا يثور سؤال: هل المعهد مسؤول عن محاربة الفساد الإداري في المؤسسات الحكومية، أم أنه مسؤول عن تأهيل وتدريب وتسليح الكوادر المناط بها مسؤولية محاربة كل طواغيت الإدارة؟
أنا شخصياً أقول بالفم الملآن: نعم إن عدد الملتحقين بالمعهد مهم ولكن الأهم هو مدى مساهمتهم في القضاء على التخلف الإداري، ولذلك أرى إن من أهم واجبات معهد الإدارة العامة هو القضاء على الفساد الإداري في الأجهزة الحكومية من خلال عدد من خريجي المعهد الذين تم تسليحهم بكل أشكال وألوان السلاح البتار والفتاك. وإذا قدر للمعهد بإمكاناته الهائلة أن تمتد أياديه البيضاء إلى القطاع الخاص ويستخدم مبضعه الحاد في جذر الفساد في القطاع الخاص فأرجوه ألا يتأخر لحظة، فنحن والعالم كله نتوجع من أمراض الفساد التي نهبت الأموال والأنفس وأطاحت بصروح الحضارة الإنسانية!
وأتمنى ألا نسمع من المعهد أنه عجز عن جذر الفساد، لأننا حينئذ نقول للمعهد بأنه فشل فشلاً ذريعاً في أداء مهامه وتحقيق أهدافه الرئيسة.
دعونا نرجع إلى الوراء نصف قرن ونقف على ظروف تأسيس المعهد، وسنجد إن أهم سبب من أسباب إنشاء المعهد هو الإصلاح الإداري وإعادة هندسة التنظيم الإداري في الحكومة والقضاء على الفساد المستشري وتصميم نظام إداري من أهم وظائفه أن يرتفع بكفاءته حتى يستطيع تنفيذ برامج ومشاريع التنمية المستدامة.
في عام 1960 تعرضت حكومة السعودية لأزمة إدارية ومالية ضربت جميع شرايين الاقتصاد الوطني وعطلت الكثير من المشاريع، وأمام الكم الهائل من المشكلات تقدمت الحكومة السعودية إلى البنك الدولي للإنشاء والتعمير وكذلك تقدمت الحكومة إلى إدارة المساعدات الفنية في الأمم المتحدة، وطلبت منهما المساعدة في وضع (روشتة) للإصلاح الإداري. وكانت استجابة الأمم المتحدة أسرع من البنك الدولي، فبادرت بإرسال الخبير محمد رمزي إلى الرياض، وبعد الفحص والتحليل أوصى الخبير بمجموعة من الإصلاحات وكان من أهمها في تقديري هو إنشاء معهد الإدارة العامة بهدف تدريب وتأهيل كوادر وطنية كفؤة تقوم بإنجاز البرامج والمشاريع بكفاءة عالية وفي وقت قصير.
أقول إن معهد الإدارة العامة لا يزال مفخرة ليس للدارسين فحسب بل هو مفخرة لكل أعضاء هيئة التدريب، فلا أتصور أن شخصاً يقوم بالتدريب في المعهد إلاّ وأنه فخور بما يقوم به.
ولكن القضية التي نطرحها لا تدخل في سيناريوهات المجاملة، بل تهدف إلى معرفة مخرجات المعهد ومستوى هذه المخرجات ودورها الذي لعبته والذي يؤمل أن تلعبه في حياتنا الإدارية، فلا يكفي أن نخرج أعداداً من المتدربين، ولكن المهم أن يخرج المعهد جيوشاً تستطيع أن تنتصر في حروبها التي لا تنتهي ضد أمراض البيروقراطية المعيقة للتنمية الشاملة.
إن أطروحة الدكتور عبد الرحمن الشقاوي مدير عام المعهد كانت تعالج دور المعهد في القضاء على الإعاقات الإدارية والسعي إلى تحقيق تنمية إدارية حقيقية في جميع أوصال المؤسسات الحكومية، بل إن الأطروحة ناقشت أسباب عدم نجاح المعهد في القضاء على الفساد الإداري وشخصت المشكلة ثم اقترحت العلاج. وحتى نكون منصفين لأنفسنا وللمعهد فإننا نقر بأن المعهد حاول أن يحقق كل الأهداف التي نشأ من أجلها، وما نرجوه من المعهد ـ في المستقبل ـ أن يجعل من قهر الفساد الإداري الهدف الرئيس الذي يسعى إليه، والله الموفق دائماً وهو الهادي إلى سواء السبيل.