مقاربة الإسلام مع الحضارة الحديثة.. السويديان عبد الرزاق ومحمود نموذجا
تحدثنا في الرسائل السابقة عن الضغط الهائل الذي يتعرض له الإسلام كدين وفكر ومنهج حياة من كثير من المستشرقين والكتاب الغربيين وبعض المسلمين تشكك في مواءمته للعصر الحديث، لا بل تدعو أتباعه إلى مغادرته إن أرادوا مواكبة الحضارة الحديثة. وقلنا إن أكبر خطيئة سيقترفها المسلمون إذا قبلوا أن تتحكم مادية الحضارة الحديثة وعلمانيتها الإلحادية في عقلهم فتنسيهم إسلامهم.
بيد أننا أوضحنا أن الإسلام شأنه شأن الأديان الأخرى يتألف من ثقافات ومناهج مختلفة ومتباينة منها ما يأخذ من الدين قشوره ومنها ما يتشبث بالجوهر. والمسلمون السويديون محظوظون لأنهم أولا في بلد يعمل ما في وسعه لإيوائهم، وثانيا لهم قادة أنعم الله عليهم بنوره وهدايته مما مكنهم إعطاء الوجه الناصع والحقيقي للإسلام في زمن تنهال عليه الهجمات الفكرية والعسكرية من كل حدب صوب.
وأذكر من هؤلاء الأستاذين الفاضلين عبد الرزاق وابري، مسؤول العلاقات الخارجية في الرابطة الإسلامية في السويد، ومحمود خلفي، رئيس الرابطة. الاثنان عملا للمسلمين كثيرا وبعملهما وإدراكهما لما يجب أن يكون الإسلام عليه في بلد متطور وديمقراطي مثل السويد استطاعا جمع المسلمين بجميع أطيافهم وتقديم نموذج لإسلام حواري، يؤوي ويقبل الآخر ويكرم الإنسان مهما كان دينه أو جنسه.
التقيت عبد الرزاق في مؤتمر دولي عقدته إحدى الجامعات السويدية عن الشرق الأوسط والإعلام. وكان عبد الرزاق واحدا من المتكلمين ضمن مجموعة من الضيوف بينهم سويدي يهودي وقس مسيحي وصحافي بارز من جريدة السويد الأولى ''داكنز نيهتر'' أي أخبار اليوم. وكان يقود المناقشة أوكى بيترشون، الإذاعي السويدي الشهير.
وكان بين الحضور مديرون ورؤساء تحرير شبكات إعلامية عالمية منهم توني بورمان، مدير قناة الجزيرة الناطقة بالإنجليزية وجون ويليامز، مدير الأخبار الدولية في البي بي سي. ومن علماء الإعلام الكبار حضر البروفيسور كريك فيلو، صاحب الكتاب الذائع الصيت ''أخبار سيئة من إسرائيل''، إضافة إلى حشد من الإعلاميين.
توجه عبد الرزاق إلى الحاضرين، وبلغة إنجليزية طليقة، بسؤال يؤرقنا كثيرا ـ نحن المتشبعين بالحضارة العربية الإسلامية ـ عن سبب إقحام الإعلام الغربي للإسلام وقرآنه في المشكلات والصراعات الفكرية والعسكرية الدائرة في العالم، بينما ليس هناك أي ذكر لليهودية والتوراة أو المسيحية والإنجيل.
''الإسلام يلقي بظلاله في النص الإعلامي، بينما المشكلات التي يواجهها الغرب ويعانيها المسلمون مشكلات سياسية واجتماعية واقتصادية لا ناقة ولا جمل للإسلام فيها. وهذه المشكلات ربما يعانيها المسلمون أكثر من غيرهم، ولكنها ذات طابع عام وعالمي، بيد أن الكل، سبحان الله، يحمّل الإسلام سببها''.
''إن الإعلام الغربي بمجمله يبني مفاهيمه عن الإسلام بما يقوم به نفر من المسلمين من الذين زاغوا عن جوهر الإسلام. تأخذون الجزء البسيط كنموذج عام لمليار ونصف من البشر وبين ظهرانيكم ربما نماذج أسوأ مما عندنا''.
''الموروث الإسلامي له أكثر من 1400 سنة ولا يجوز اختصاره بما تقوم به فئة معينة من المسلمين في العصر الحديث. هناك من يسيء إلى إسلامه من حكام ومجموعات وأفراد، ولكن المهم عندنا هو العقيدة التي هي في القلب ولا إكراه في الدين عندنا''.
«وكما ترون فإن المسلمين في السويد يتواصلون مع الحضارة الحديثة ويتقبلون عن رضا وقناعة قوانين البلد الذي قال لهم تفضلوا وعيشوا معنا كمواطنين مكرمين ومتساوين في الحقوق والواجبات. ونحن المسلمين المتشبثين بجوهر الإسلام نؤمن بأن الإنسان مهما كان دينه ولونه وجنسه مكرم عند رب العالمين. (ولقد كرمنا بني آدم). الإنسان في الإسلام مكرم وله حرية الاختيار».
«نحن هنا في السويد نلتزم بديننا، ولكن لا نفرضه على الآخرين، كما لا نقبل أن يفرض الآخرون دينهم علينا. لنا ولهم حق الاختيار. نقول للقساوسة أنتم تقولون إن لم تؤمنوا بالمسيح المخلّص فلن تدخلوا الجنة. ونحن نقول إن لم تتخذوا الإسلام دينا لن تدخلوا الجنة» أنا أقول يجب على كل الأطراف أن تكون فوق هذه الأمور ونقبل الواحد الآخر لأن هذا الشيء، أي الجنة، لم تحصل لأي واحد ممن هم أحياء الآن. (وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين)».
«يقول القرآن (لكم دينكم ولي دين). لنترك هذه الأمور لله ونعمل معا من أجل الثقافة والاقتصاد وأمور الحياة المشتركة. القول إن الإسلام لا يستطيع معايشة وقبول الآخر قول باطل. ألم تكن هناك أحياء خاصة وراقية جدا يقطنها اليهود في كثير من أمصار الإسلام وكانت مزدهرة إلى ما قبل عام 1948 عندما حدث ما حدث من تهجير مدبر لليهود من جميع أصقاع العالم إلى فلسطين وتم طرد أهلها منها؟». «تقولون نحن نضطهد اليهود، وهذا غير صحيح. نعم ربما قد حدثت فترات في تاريخ الإسلام كانوا عرضة لبعض الاضطهاد، ولكن لا يمكن على الإطلاق مقارنته بالفظائع والمحارق الرهيبة والمروعة التي جرت لهم في الغرب، حيث تم إحراق الملايين منهم وهم أحياء».
هذه مقتطفات مختصرة لما أدلى به عبد الرزاق في ذلك المؤتمر المهم. وتلقفت الصحافة السويدية كلامه، وبين الأسطر قرأت واستشعرت أن السويد سعيدة بجاليتها الإسلامية وارتقاء خطابها وجهدها لمقاربة الإسلام مع الحضارة الحديثة.
وقريبا سيتم الشروع في بناء جامع كبير في مدينة كوثنبرك، التي يقطنها عبد الرزاق، وهي ثاني أكبر مدن السويد. والجامع آية في الإعمار والهندسة، ستقوم بتنفيذه شركة سكانسا للإسكان، وهي واحد من أكبر عمالقة العالم في شؤون العمران. وسيكون هذا الجامع، الذي سيموله السعوديون، ثاني أكبر جامع في السويد بعد جامع ستوكهولم الذي موله الإماراتيون.
وفي ستوكهولم هناك محمود خلفي، رئيس الرابطة الذي جعل للإسلام المتفتح الذي يؤوي ويتعايش ويقبل الآخر مكانة بارزة لدى القادة السويديين وصار جامع ستوكهولم منارة تشع منها مبادئ الإخاء والحوار وحب الآخر. ولم يتعجب السويديون عندما قامت منى ساهلين، زعيمة المعارضة السويدية، بزيارة الجامع بعد أن خلعت نعليها وغطت رأسها احتراما لرعاياها من المسلمين السويديين.
وعندما أساء رسام سويدي لنبي الإسلام، قام رئس الوزراء الحالي، فريدريك راينفيلد، بزيارة الجامع ودخله بكل خشوع وطلب من رعاياه من المسلمين ألا يكترثوا لمثل هذه الأعمال، وأنه شخصيا ينبذها ولا يوافق عليها، ولكن مع الأسف، لا يستطيع منعها قانونيا ودستوريا. وطلب من المسلمين السويديين المعذرة أولا وتفهم موقفه ثانيا. وكان للزيارة وقع طيب على الجالية. قارن عزيزي القارئ موقف السويد من الرسوم المسيئة للإسلام وموقف الدنمارك، جارة السويد، حيث رفض رئيس الوزراء الدنماركي حتى استقبال وفد من أعيان المسلمين.
وإلى اللقاء في الجمعة القادم.