تحالف الصناديق ومجالس الإدارات ضد صغار المساهمين
تأثرت قرارات مجالس الإدارات في عدد من الشركات المساهمة السعودية بفعل فقاعة الأسعار التي أصابت سوق الأسهم قبل عام 2006 والأرباح الضخمة التي درتها المضاربات (حتى في أسهم الشركات ذات العوائد السلبية)، وذلك عندما تم الاستثمار المباشر في السوق بأموال تلك الشركات وتمت المخاطرة بسيولتها المتاحة. عزز مثل هذا السلوك أن عددا من الشركات التي كانت قد أعلنت خسائر نشاط لسنوات طويلة قد تحولت بفضله إلى الأرباح، لكن النتائج كانت كارثية. فمع انهيار عام 2006 ظهر للجميع حجم المخاطر التي تحملتها الشركات في سوق مضطربة ومتقلبة بطبيعتها ولحق بالمساهمين خسائر مالية فادحة بفضل تلك القرارات الخاطئة. في تلك الفترة أصدرت هيئة السوق المالية قراراتها بمنع الشركات من الاستثمار في سوق الأوراق المالية بصورة مباشرة وأجبرتها على تصحيح وضعها لينتج عن ذلك موجة من الاضطرابات عمت السوق. القرار بشكل عام كان جيدا ولكنه ككل القرارات التي تنتهي مهمتها وفاعليتها بعد إصدارها دون دراسة لتتبع نتائجها على المدى الطويل. لعله من المناسب الحديث هنا عن الدور الذي يلعبه تمويل البحوث والدراسات الاقتصادية والمالية لتتبع سلوك الأسواق والمستثمرين تجاه القرارات المختلفة التي تصدرها الجهات التنظيمية. لكن بالعودة إلى موضوع المقال, فإن صدور القرار منح «ضمنيا» كل شركة حرية التصرف في معالجة وضعها طالما أن مشكلة الاستثمارات المباشرة ستحل ويهدأ الصخب الإعلامي الذي صاحبها.عالجت الشركات وضعها، واختفت الاستثمارات المباشرة من قوائمها المالية وهدأ الصخب الإعلامي فهل حلت المشكلة فعلا؟
ما القضية بالضبط؟ بالطبع, فإن خروج الشركات عن نشاطها الأساسي وتحولها إلى صندوق استثماري قضية خطيرة تخل بالتوازن الاقتصادي بشكل عام ويعطي معلومات خاطئة عن القطاعات في السوق المالية بطريقة لا تعكس حجم المخاطر بكل قطاع وهذا بدوره يؤدي إلى قرارات استثمارية خاطئة. القضية ليست هنا فقط بل إن هذا السلوك يمكن رؤساء مجالس الإدارات من الاستفادة من مناصبهم لجر الشركة نحو مصالحهم الخاصة من خلال شراء أسهم شركات بعينها لهم مصالح فيها, وبالتالي رفع سعر السهم وتحقيقهم عوائد بطريقة غير مباشرة, بينما تتحمل الشركة المخاطر كافة. وعلى أنه وبمجرد قراءة بسيطة لقائمة الدخل ونظرة عادية إلى بند صافي دخل النشاط والإيرادات الأخرى ثم نظرة تفصيلية على الملاحظات المرفقة فيما يتعلق ببند الاستثمارات، فإن اكتشاف تورط الشركات في هذا السلوك مرة أخرى قضية سهلة ولا تحتاج إلى خبرات كبيرة، لكن ما الوضع الآن؟ هل فعلا لم يعد بمقدور رؤساء مجالس الإدارات جر شركاتهم لتمويل مصالحهم في سوق الأسهم (شراء أسهم الشركات التي يستثمرون بها)؟
للأسف، تبدو الصورة مضحكة إلى حد بعيد، فرؤساء مجالس الإدارات وتنفيذا لقرار الهيئة بمعالجة أوضاع شركاتهم قاموا بإنشاء صناديق استثمارية أو المشاركة فيها ومن ثم الحصول على تصريح من هيئة السوق على ذلك وتم لهم ما أرادوا. قد يقول قائل وماذا في ذلك؟ لما استقرت الأمور لهم ومن خلال رئاستهم لمجالس إدارة الشركات قاموا باتخاذ قرارات باستثمار أموال هذه الشركات في صناديقهم الاستثمارية إن جاز التعبير (ببساطة تم منعهم من التلاعب بالسوق مباشرة وعلنا فقاموا بإنشاء صناديق لذلك). الأمر لم يقف عند هذا الحد, بل ومن خلال العلاقات المتبادلة - والمشهورة جدا في السوق السعودية, بل الأسواق الناشئة عموما - قام عدد من الشركات باستثمار الأموال في صناديق، بينما تقوم تلك الصناديق بالمضاربة والاستثمار في أسهم تلك الشركات، بمعنى آخر, فإن هذه الشركات هي أكبر المستثمرين في الصندوق والصندوق أكبر المستثمرين في أسهمها. أي أن الشركات اشترت من خلال الصندوق أكثر من 10 في المائة من أسهمها المتداولة. القضية لم تنته هنا, بل ومن خلال المعلومات الداخلية التي يتم تسريبها لإدارة الصندوق من قبل الشركة يتم التلاعب بسعر السهم ليهبط إلى أدنى مستوياته ويقوم الصندوق بالشراء عند الأدنى لتبدأ الشركة بنشر سلسلة من الأخبار الجيدة والتلاعب بالقوائم المالية ليقفز سعر السهم ليس 100 في المائة, بل أكثر من ذلك بكثير والضحية دائما هم صغار المساهمين (ولأن القانون لا يحمي المغفلين نقول لهم يا غافلين لكم الله).
من يحمي صغار المساهمين من هذه التصرفات، بل من يحمي السوق المالية ومصداقيتها الاستثمارية؟ قوائم كبار الملاك أسهمت بنقطة إيجابية للسوق لكشف مثل هذه التصرفات لكن هناك حاجة كبيرة لإسهام الهيئة في كشفها لأنها تحتاج إلى تحليل ومتابعة مستمرة للتغيرات في قوائم الملاك، وخاصة تصرفات الصناديق الاستثمارية (التابعة للبنوك) وكبار المستثمرين فيها التي تعد سرية لا يطلع عليها المحلل العادي الذي يعتمد على البيانات المنشورة. واضعو المعايير المحاسبية مهتمون جدا بموضوع الإفصاح عن العمليات مع ذوي العلاقة. هناك مشكلات تواجه عملية تطبيق هذا المعيار لذلك لا يزال محل نقاشات وأبحاث كثيرة، مشكلة هذا المعيار أنه يصطدم مع مصالح مباشرة لصناع القوائم المالية أنفسهم، وهم ومن خلال إدارتهم لهذه الشركات يمتلكون القدرة على التلاعب في تفسير من هم أصحاب العلاقة وما تلك العمليات التي سيتم الإفصاح عنها, إضافة إلى طريقة الإفصاح ومكانه.
لائحة الحوكمة حل رئيس, لأنها تعمل على حماية المساهمين من خلال الأعضاء المستقلين غير التنفيذيين والذين يمثلون صمام أمان عند اتخاذ القرارات الاستثمارية والاستراتيجية المختلفة لجعلها تصب في صالح المساهمين وليس مجلس الإدارة. لكن الشركات تتلاعب بهذه اللائحة ولا رقيب ولا حسيب. فمدير الصندوق هو عضو غير تنفيذي في شركة وفي أخرى تجده ضمن لجنة المراجعة والمعلومات تصله أولا بأول وهو يشتري ويبيع في السوق مستخدما أموال الشركة ومعلوماتها الداخلية ثم يدعي الاستقلال ويظهر في الإعلام مهاجما صغار المستثمرين في السوق الذين يستثمرون أموالهم دون تحليل ودراسة متأنية (وإن تعش رجبا ترى عجبا).