النخاسون الجدد
تعد المتاجرة بالبشر أو النخاسة من أكثر المهن الممقوتة في التاريخ. ويتصف من يمتهنها بصفات بشعة أقلها القسوة والغلظة والظلم، فسلب حرية الإنسان التي وهبها إياه رب العالمين جريمة ليس بعدها جريمة. وعرفت النخاسة والعبودية منذ آلاف السنين ومارستها شعوب العالم قاطبةً. ودقت الحرب الأهلية الأمريكية إسفين النهاية على العبودية والنخاسة التي امتدت لآلاف السنين. وفي القرن العشرين ألغيت أبغض المهن في جميع أنحاء العالم. وانتهت النخاسة بصورة رسمية في العصر الحديث. وعلى الرغم من جهود العالم للقضاء على العبودية ما زال بعض ضروب النخاسة والمتاجرة بالبشر يمارس حتى هذه الأيام، ولكنه يتم بصورة غير رسمية وتقوم به شبكات إجرامية لا تكترث بأي أخلاقيات ولا مثل دينية. ومن هذه الممارسات تجارة الرقيق الأبيض التي تقوم بها عصابات ومنظمات إجرامية عاتية ويتغاضى عنها الفاسدون في أجهزة الأمن العالمية.
من أبشع صور النخاسة ما تقوم به بعض الشبكات الإجرامية في العالم، التي تتاجر بأعضاء البشر، سواء بالتدليس على بعض المغفلين والفقراء المحتاجين من البشر وإيهامهم بتحقيق مكاسب مادية كبيرة من بيع أعضائهم أو بارتكاب جرائم سرقة جثث وأعضاء المرضى والموتى والقتل المتعمد لسرقة أعضاء الضحايا. وتتردد قصص مرعبة من أرجاء متفرقة من العالم حول جرائم سرقة الأعضاء البشرية والمتاجرة بها.
وقد ألف أحد الصحافيين السويديين الشرفاء وهو دونالد بوستروم كتابا عن سرقة الإسرائيليين لأعضاء الشهداء الفلسطينيين. وأصدر الكتاب في بداية ألألفية بعد أن طلب منه بعض موظفي الأمم المتحدة في فلسطين التحقيق في قصص سرقة أعضاء الشهداء الفلسطينيين. ولا يستطيع موظفو الأمم المتحدة التحقيق في هذه المواضيع، لأن مثل مثل القضايا التي تشنع على إسرائيل من المحرمات التي لا ينبغي إثارتها. وأظهر الكتاب أن ثلث الشهداء الفلسطينيين تعرضوا لسرقة أعضاء من قبل إسرائيل في بداية التسعينيات، ما يدل على أن عملية السرقة تمت بشكل واسع ومنظم بموافقة ضمنية أو تغطية من الجهات الرسمية الإسرائيلية، فعملية نقل الأعضاء من جثث المتوفين تتطلب فرقاً طبية جاهزة، كما تتطلب قبولا أخلاقيا من أعضاء هذه الفرق. ومن بين أكثر من 150 شهيداً عام 1992، استولى الجيش الإسرائيلي على أكثر من ثلث الجثث وقام بتشريحها دون إذن من عائلات الضحايا. والغريب أن جرائم القتل التي يرتكبها الجيش الإسرائيلي عادةً في حق العرب لا تخضع لأي تحقيق يستدعي التشريح، لهذا فإن هناك دلائل قوية على أن تشريح جثث القتلى ما هو إلا غطاء لسرقة أعضاء من هم في الرمق الأخير أو الموتى.
هذا ويتم تسليم جثث الموتى المشرحين إلى ذويهم في جنح الظلام وتقطع الكهرباء عن المنازل التي تسلم لها الجثث وتجري عملية الدفن تحت إجراءات أمنية إسرائيلية صارمة. والأدهى والأمر أن بعض الشبان يعتقلون أحياء ويعودون جثثا هامدة مع وجود قرائن على سرقة أعضائهم. وهذه الممارسات لا يمكن أن تتم إلا بموافقة من بعض الجهات الإسرائيلية الرسمية. وقد توجت قضايا سرقة أعضاء الفلسطينيين باعتقال أحد الكهنة الإسرائيليين في نيويورك وتوجيه تهم له بالمتاجرة بالأعضاء البشرية. وتتكشف جرائم إسرائيل التي طالما طبل لها الإعلام الغربي الذي يسيطر عليه الصهاينة. وقد صور الإعلام الغربي إسرائيل بواحة الديمقراطية والعصرنة والتقدم في الشرق الأوسط، فإذا كانت الديمقراطية والحداثة والتقدم تعني سرقة الأرض والتاريخ وقتل الأبرياء وسرقة أعضائهم والمتاجرة بها فلا أحد في العالم يريد مثل هذه الديمقراطية. لقد ولدَت ديمقراطية إسرائيل الويلات والمصائب والظلم والاستبداد والقهر للمنطقة بأكملها، وتسببت في قتل الملايين وتأخر المنطقة لعشرات السنين. ويتكشف مع مرور الوقت تزييف الإعلام الغربي وجه إسرائيل الحقيقي وإظهاره بشكل جميل كي يتسنى لها الاستمرار في ارتكاب الفظائع. وعند الحديث عن جرائم إسرائيل فنحن بحاجة إلى موسوعات ضخمة لتغطية الفظائع ومخالفات حقوق الإنسان والظلم والكذب والتزييف وتشويه التاريخ وتغيير الجغرافيا والإفساد في الأرض.
إن سلبيتنا والسكوت تجاه الجرائم الإسرائيلية قد يرقيا في بعض الأحيان إلى تحملنا جزءا من المسؤولية على هذه الجرائم. وقد يفسر الإسرائيليون سكوت العرب على جريمة سرقة ألأعضاء على أنه رضا وعدم ممانعة، مما يشجع العصابات الصهيونية التي تقف خلف هذه العمليات على الاستمرار في هذا النهج. إن أقل ما يمكننا عمله هو الصراخ في وجه الظلم وتأييد الأحرار في بلدان العالم الذين يقفون مع المقهورين منا ضد الظلم الإسرائيلي والوحشية التي تتعدى حدود الخيال، فألف تحية للصحافي السويدي دونالد بوستروم ولملايين الأحرار حول العالم الذين يقفون ضد الظلم مهما كان مصدره ومكانة مرتكبه. لقد وقف هذا الصحافي يدافع عن الحقائق التي حصل عليها بكل شرف مهني وضمير حي، ويستحق منا الوقوف معه ضد بلطجة وبجاحة الإعلام الصهيوني والنشطاء الصهاينة المسيطرين على الإعلام العالمي. وقد بدأ عدد من النشطاء الصهاينة برفع قضايا في المحاكم ضد هذا الرجل لإخراس فمه. ويرفع الإسرائيليون والصهاينة القضايا القانونية لإخافة الآخرين ومنعهم من التصدي للهمجية الإسرائيلية.
من واجب العرب والمسلمين والفلسطينيين بالذات دعم جهود هذا الرجل الشريف لإجراء تحقيق حول القضية، بل والبحث عن الأدلة والبراهين لإثبات أساليب النخاسة الجديدة المتمثلة في سرقة أعضاء البشر التي ترتكبها إسرائيل. وكان الأحرى بالمؤسسات العربية والإسلامية أن تسعى لفضح مثل هذه الممارسات البشعة ومقاضاة إسرائيل ومسؤوليها في المحافل والمحاكم الدولية والإقليمية والبلدان المتقدمة، ولكن يبدو أن هذه المؤسسات تتصف بالسلبية تجاه ما تفعله إسرائيل بعد أن أضحت هذه المؤسسات مجرد تكايا للمتقاعدين من موظفي الدول الأعضاء. لهذا تزداد مسؤولية المجتمع المدني العربي والإسلامي الضعيف أصلاً، الذي عليه أن يقوى وينهض للدفاع عن حقوق الأفراد العرب المسلمين ولمساندة من يقف بجانب هذه الحقوق.
ووردت أخيرا أنباء عن جرائم المتاجرة بالأعضاء البشرية في بعض الدول العربية. وهذا مؤشر خطير على نمو الجريمة المنظمة في منطقتنا التي تستبيح كل شيء ولا تكترث بالمعتقدات والأخلاق. وتتحمل الحكومات العربية مسؤولية التصدي لهذا النوع من الجرائم التي يتم فيها التغرير بالضعفاء والفقراء لبيع أعضائهم. وما لم يتم الحد من هذه الجرائم، فقد تجرؤ العصابات المنظمة حتى على سرقة الأعضاء من المرضى أو ارتكاب جرائم قتل للحصول على الأعضاء البشرية كما تفعله إسرائيل. وقد تستغل هذه الشبكات الإجرامية للعمل بالنيابة عن إسرائيل في المتاجرة بالأعضاء البشرية. إن المتاجرة في الأعضاء البشرية وسرقتها من أبشع الجرائم الاقتصادية والهدف منها بالدرجة الأولى الربح الفاحش والجشع. وللقضاء عليها ينبغي أن تكون العقوبات مشددة، كما ينبغي أن تتضمن عقوبات مالية مرتفعة جداً لإرهاب المتاجرين بلحوم البشر.