حرب أوباما المتعثرة

حرب أوباما المتعثرة

يتحدث القائد العسكري الأمريكي في أفغانستان الجنرال ستانلي ماكريستال بصراحة عن مدى تعقيد الحرب ضد طالبان، حيث يقول: ''أدرك كل يوم مدى قلة معرفتي وفهمي لأفغانستان''. فالجبال والصحارى الممتدة عبر البلاد مخيفة، وتركيبتها القبلية محيّرة، وبعد ثلاثة عقود من الحرب، أصبحت مجتمعاتها مدمرة وفقيرة وجاهلة. وغالبا ما يكون للإجراءات التي يتم تنفيذها بنية حسنة آثار غير مقصودة: فالقتال قد يوجد مزيدا من المتمردين من أولئك الذين يقضى عليهم، ويتم إلقاء اللوم على الأجانب بسبب الهجمات التي تسبب الأذى للمدنيين الأفغان، وقد تؤدي المخططات الرامية إلى كسب تأييد الناس إلى تعميق العداء.
خذ مثلا حفر بئر. ففي القرى التي يكون فيها الري مشتركا، يمكن لحفر بئر جديدة تحويل السلطة إلى مالك الأرض التي تم فيها حفر البئر. أو قد يؤدي إلى تقوية المجموعة التي تم دفع المال لها لحفر البئر. ويقول الجنرال ماكريستال: ''يمكن لذلك أن يؤدي إلى إثارة الانقسام أو إعطاء الانطباع أنك.. لا تفهم ما يحدث أو أنك تقف إلى جانب عنصر ما أو غيره. في حين أن كل ما تحاول فعله هو توفير المياه''. وقدم الجنرال، الذي يعرف في العالم العسكري باسم M4 (المشتق من اسم عائلته وعدد النجوم التي يحملها)، هذه المقالة الصغيرة إلى مجموعة من خبراء الدفاع في لندن هذا الشهر، حيث شرح فيها وجود احتمالية ''جدية وخطيرة'' للفشل. واتضحت هذه الاحتمالية بصورة أكبر بسبب موسم القتال الأكثر دموية للناتو منذ ثماني سنوات، والأزمة السياسية بشأن شرعية الرئيس حميد كرازي بعد الانتخابات المزورة، وتراجع التأييد للحرب في الغرب، والتوتر الواضح في البيت الأبيض.
وقد كان لخطاب الجنرال ماكريستال، مثل الآبار الأفغانية، نتائج غير متوقعة. وكان توضيحه استراتيجيته لمكافحة التمرد، التي تهدف إلى ''حماية السكان''، متفقا مع تقييمه (الذي كان قد تم تسريبه في ذلك الوقت)، الذي تمت كتابته للرئيس باراك أوباما. ولكن بالنسبة إلى البعض في واشنطن، كان توقيته يبدو مثل تمرد - محاولة لإجبار أسياده السياسيين على تلبية طلبه بالحصول على عشرات الآلاف من الجنود. وقد قال إن ''عدم اليقين يحبط حلفاءنا ويشجع أعداءنا''؛ ووصف أولئك الذين يريدون الحد من البعثة، مثل نائب الرئيس جو بايدن، بأنهم ''قصيرو النظر''؛ وسخر من أولئك الذين يريدون سحب القوات قائلا إنهم ينتهجون سياسة ''إيقاع الفوضى''.
إلا أن عدد القوات التي يريدها على وجه التحديد، إضافة إلى الجنود الأجانب الموجودين هناك والبالغ عددهم 100 ألف، هو جزء من وثيقة سرية، لم تتم طباعة سوى نسخ قليلة منها وتسليمها باليد إلى رؤساء الجنرال. ويُقال إن الخيارات تراوح بين نهج ''عالي الخطورة'' بإرسال عشرة آلاف جندي إضافي، ونهج ''منخفض الخطورة'' يتطلب 40 ألفا أو حتى 60 ألف جندي إضافي.
ولكن أيا كان الطلب، فقد التزم أوباما الصمت. وحتى وقت قريب، كان يصف أفغانستان بأنها ''حرب ضرورة''. ولكن منذ أكثر من ستة أسابيع، يناقش أوباما الخيارات مع المستشارين، ويجس نبض المزاج السائد في الكونجرس ويتشاور مع القادة الأجانب. وتتمحور المناقشات حول نهجين: مكافحة التمرد بقوى عاملة كثيفة، الذي يهدف إلى كسب تأييد الشعب الأفغاني وبناء حكومة مستقرة؛ ومكافحة الإرهاب، الذي يسعى للتعامل بصورة ضيقة مع الأخطار التي تهدد الغرب، خاصة من خلال الضربات الجوية أو الغارات من قبل القوات الخاصة.
وكان أوباما يميل من خيار إلى آخر. وردا على الاتهامات بالمراوغة، قال البيت الأبيض إنه لن يحدث تخفيض ''كبير'' في عدد الجنود. ولكن في السادس من تشرين الأول (أكتوبر)، زار الرئيس ''كهف الخفافيش''، وهو المركز الوطني لمكافحة الإرهاب، الذي يتم فيها تجميع جميع المعلومات الاستخبارية عن الإرهابيين. وصرّح قائلا: ''سنستهدف القاعدة حيثما وضعت جذورها''. وهذا أشبه بإشارة إلى دعاة مكافحة الإرهاب، الذين يشيدون بنجاح الغارات الجوية للطائرات الآلية في باكستان ويقولون إن القاعدة تفتقر إلى المال. والسؤال المهم هو: فيما إذا كان على الغرب محاربة ''طالبان''، التي تتكون من مجموعة من جماعات البشتون الأصليين، أو القاعدة فقط، المجموعة الإرهابية العابرة للحدود الوطنية التي يتخذ أبرز قادتها ملاذا لهم بين البشتون؟ واستنتج الاستعراض المبكر الذي أمر أوباما به في آذار (مارس) أن الحركتين غير منفصلتين. فقتال القاعدة هي الأولوية الأولى لأمريكا، إلا أن هزيمتها تتطلب شن حملة لمكافحة التمرد لإبعاد طالبان.
وبعد أن اتضحت تكلفة هذا النهج الآن، يتم التشكيك في فرضياته. وأدى هذا النقاش إلى بعض الحالات الغريبة للتراجع عن المواقف: يعارض عديد من الديمقراطيين طموحات بناء الأمة في إحدى أكثر الدول فقرا في العالم؛ ويعارض أبرز الجمهوريين الاعتماد المفرط على قتل الأشرار.
وهذا بمثابة تراث في العراق إلى حد كبير. وفي نهاية عام 2006، كان يبدو أنه تمت خسارة الحرب، إلا أن جورج بوش قام بمغامرة أخيرة. فقد أمر بزيادة الجنود وعيّن جنرال بأربع نجوم، هو ديفيد بتراوس، لتنفيذ استراتيجية جديدة لمكافحة التمرد بقوى عاملة كثيفة. وكانت النتيجة انخفاضا حادا في مستوى العنف، ما سمح لأوباما بأن يأمر بالانسحاب التدريجي للجنود من العراق.
هل يستطيع الجنرال ماكريستال تقليد الجنرال بتراوس؟ إلى جانب العراق، لطالما كانت أفغانستان محرومة من الموارد. فهي أكبر حجما وأكثر سكانا ووعورة، ومع ذلك هناك الآن عدد أكبر من الجنود الغربيين في العراق (120 ألفا) من الموجودين في أفغانستان (100 ألف، بما في ذلك كثير من الأوروبيين الذين لا يحبون الحرب). وبالنسبة إلى الجنود من السكان الأصليين، المهمين جدا للنجاح، فإن عدم التوازن أكثر وضوحا: 650 ألف جندي ورجل شرطة محلي في العراق مقابل 170 ألفا في أفغانستان. وجاء في تقرير الجنرال ماكريستال: ''لن تجعلنا الموارد نفوز في الحرب، إلا أن نقص الموارد قد يجعلنا نخسرها''. وهو يريد زيادة القوات الأفغانية إلى 400 ألف.

الآثار السلبية لمكافحة التمرد بقوى عاملة كثيفة
أما منتقدو سياسة مكافحة التمرد بقوى عاملة كثيفة، مثل Rory Stewart - الجندي البريطاني السابق والدبلوماسي الذي مكث فترة طويلة في أفغانستان، وخدم كمشرف للتحالف في العراق وعاش في كابول - فيعتقدون أن الجنرال ماكريستال ''يحاول فعل المستحيل''. فهو يشير إلى أنه خلافا للحرب في المناطق الحضرية في العراق، فإن التمرد في أفغانستان ينتشر في المناطق الريفية؛ وأن هياكلها القبلية أكثر عدائية، وأن حكومتها تفتقر إلى دعم الأحزاب السياسية الذي تحظى به الحكومة في العراق.
وفي الشهر الماضي أخبر Stewart لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ أن أمريكا لن تنجح في بناء دولة أفغانية فاعلة ولا في هزيمة طالبان. وسيكون نشر مزيد من الجنود مضيعة للوقت والأرواح؛ وسيتم تضخيم فشل أمريكا، ما يزيد خطر الانسحاب المتعجل. وقال إنه من الأفضل أن تكون هناك جهود أقل طموحا ولكن على مدى أطول للمساعدات الاقتصادية المصحوبة بقوة صغيرة لمكافحة الإرهاب مكونة من 20 ألف جندي.
وكان لوجهات نظره تأثير في واشنطن، مع أن القليل في البيت الأبيض سيصفون مثل هذه السياسة بأنها متطرفة, فالتخلي عن قتال طالبان سيعني هزيمة أمريكا والناتو، وعودة طالبان إلى بعض أجزاء أو معظم مناطق أفغانستان، وتشجيع المتشددين في باكستان المسلحة نوويا. ويقول قائد الجيش البريطاني، الجنرال السير ديفيد ريتشاردز، إن الفشل سيكون له ''تأثير محفز في الإسلام القتالي في جميع أنحاء العالم''.
وحتى في النطاق الأضيق لمكافحة الإرهاب، ستكون خسارة أجزاء من أفغانستان ضربة موجعة, فالطائرات الآلية تحتاج إلى القواعد الأفغانية للانطلاق منها. كما أن القرب من الحدود مع باكستان أمر بالغ الأهمية لجمع الإشارات والمعلومات الاستخبارية البشرية. وسيكون من الصعب الطلب من باكستان مواجهة طالبان من الجانب الخاص بها من الحدود إن لم تفعل أمريكا ذلك في أفغانستان.
وقد تفسر مثل هذه الحجج الأسباب التي جعلت بايدن، كما تفيد التقارير، يقترح اتباع نهج مختلط: الحفاظ على مستويات القوات الحالية وزيادة التركيز في الوقت نفسه على مكافحة الإرهاب. ولكن من غير الواضح إذا ما كانت أمريكا قادرة على تحقيق كثير من خلال عمليات القتل المستهدفة. فقد زادت الغارات التي تشنها الطائرات الآلية بالفعل تحت رئاسة أوباما. ويؤدي توسيع نطاق الأهداف إلى تأجيج العداء لأمريكا في باكستان- خاصة إذا ذهبت أمريكا، كما تهدد أحيانا، إلى أبعد من مجرد تصفية القاعدة ومقاتلي طالبان الباكستانية في الحزام القبلي إلى قتل قادة طالبان الأفغانية حول Quetta.
ويعرف الجنرال ماكريستال, أكثر من أي شخص, نقاط القوة والضعف في مكافحة الإرهاب. فقد صنع اسمه بوصفه رئيس قيادة العمليات الخاصة المشتركة، القوات الخاصة ''السوداء'' التي قتل رجالها، من ضمن آخرين، أبو مصعب الزرقاوي، قائد القاعدة في العراق. وتعتمد القوات الخاصة، في أفغانستان تحديدا، بصورة كبيرة على الغارات الجوية، التي غالبا ما تؤدي إلى وفيات بين المدنيين. وقد تبنى الجنرال في أفغانستان الآن مكافحة التمرد بصورة كاملة وخفض بصورة حادة من عدد الغارات الجوية.
وهو يحب الحديث عن غرابة ''حسابات مكافحة التمرد'', ففي الحرب التقليدية، لا يترك قتل اثنين من الجنود الأعداء من مجموعة مكونة من عشرة جنود سوى ثمانية جنود يجب التعامل معهم. ولكن مع المتمردين، فإن عشرة ناقص اثنين قد تساوي صفرا (إذا قرر الناجون وقف القتال)؛ أو، كما هو الحال غالبا، قد تساوي 20 (إذا انضم أقارب المقتولين إلى القتال بهدف الانتقام). ويعد الجنرال ماكريستال مكافحة التمرد ''قتالا'' بين طالبان والحكومة الأفغانية، المدعومة من قبل الغرب. وسيقرر السكان الجهة المنتصرة، ولا بد من كسب تأييدهم. وفي النضال من أجل الشرعية، تكون السياسة الهدف الأسمى. إلا أن بناء المؤسسات، الذي يكون دائما مهمة صعبة، أصبح أصعب بكثير بسبب الأزمة التي لم يتم التوصل إلى حلها بشأن تزوير الانتخابات. وكانت الانتخابات تهدف إلى إعادة قيادة كرازي؛ ولكنها شوهت صورته أكثر- وصعّبت على الحكومات الغربية تبرير إرسال الجنود ليلقوا حتفهم في أفغانستان. وبالنسبة إلى كثير من الأفغان، تعد السياسة في كابول أمرا بعيد المنال, فالحكومة الشرعية محلية: الأمن وسبل كسب العيش وقدر من العدالة في المقاطعات والمحافظات. وهذا هو المجال الذي يعتقد قادة الناتو العسكريون أنهم قادرون على تحقيق تقدم. وعلى أية حال، يتطلب الإصلاح السياسي وبناء دولة أفغانية فاعلة إلى حد ما تحسين مستوى الأمن، ما يعيد النقاش ثانية إلى مسألة مستويات القوات.

بريطانيا تتصرف وأمريكا تتردد
وفي الرابع عشر من تشرين الأول (أكتوبر)، استبق جوردن براون، رئيس الوزراء البريطاني، النقاش في واشنطن, فقد قال إن مكافحة الإرهاب ضد القاعدة، دون استراتيجية لمكافحة التمرد لمساعدة الأفغان على تولي زمام الأمور في دولتهم، لن تؤدي إلى إقامة أمن دائم. وسترسل بريطانيا 500 جندي إضافي - شريطة أن تنشر الحكومة الأفغانية مزيدا من الجنود الأفغان للقتال إلى جانبهم، وأن يزيد الحلفاء الآخرون عدد جنودهم (ربما في اجتماع لوزراء الدفاع في الناتو في Bratislava في الثاني والعشرين من تشرين الأول (أكتوبر). وقال براون إنه ''غير راض'' عن الانتخابات؛ واتفق مع أوباما على أن على الرئيس المقبل الالتزام ''بعقد'' لتوسيع الجيش الأفغاني، والتصدي للفساد، وتبني سياسة ''أكثر شمولية''، واجتذاب ''العناصر التي تميل إلى المصالحة من حركة التمرد''.
إلا أن أمريكا فقط هي القادرة على تغيير اتجاه الحرب. ويعلم أوباما أن إرسال مزيد من القوات سيعرقل الجهود الرامية للحد من الضغوط الجسدية والنفسية التي يعانيها الجنود الأمريكيون. إلا أن خسارة الحرب ستؤدي على الأرجح إلى كسر الجيش. ويعتقد الجنرال ماكريستال أن إرسال تعزيزات قوية سيرسل رسالة قوية تدل على التزام أمريكا. وإذا كان بإمكانه استعادة المبادرة العسكرية، قد يميل عدد أكبر من قادة التمرد إلى الانسحاب. ومن المنطلق نفسه، فإن رفض طلبه قد يرسل إشارة تدل على ضعف أمريكا. ولا تستطيع طالبان طرد القوات الغربية على الفور من المدن. إلا أن تلك معركة إرادة وتصورات. فإذا كان الأفغان يعتقدون أن طالبان هي المنتصرة، فمن المرجح أن يقفوا معها. وفي الوقت الراهن، كما يقول الجنرال البريطاني، ''تعتقد طالبان أن الفيل قد سقط, وأن كل ما تحتاج إلى فعله هو إطلاق الرصاص عليه'' >

الأكثر قراءة