رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


سرقة 250 مليار ريال

لم تعرف الأسواق المالية في التاريخ فضيحة بضخامة فضيحة الاحتيال التي نفذها عبر عقود برنارد مادوف (من مواليد 1938) اليهودي الأمريكي ومساعدوه. فقد قدرت أوساط حجم الاحتيال بنحو 65 مليار دولار. الاحتيال طال مؤسسات مالية تتوزع جغرافيا على أرجاء الأرض. أما في أمريكا فعددها صعب حصره من كثرته. ولمن لا يعرف، عرف مادوف أحيانا بلقب أسطورة ''وول ستريت''، الحي المالي النيويوركي الشهير، كما تولى رئاسة مؤشر ناسداك المشهور فترة من الزمن.
الغريب أن الطريقة التي استخدمها طريقة تقليدية معروفة في عالم المال والاقتصاد باسم سلسلة بونزي Ponzi، وتتلخص في الكلمات التالية: الدفع للعملاء القدامى مما يقدمه العملاء الجدد، بصورة متوالية حسابية أو هندسية. وهذه السلسلة أساس لعمليات احتيال كثيرة، وما سالفة ماكينة سنجر عنا ببعيد. والحقيقة أن أكثر عمليات النصب في توظيف الأموال تقوم على الفكرة نفسها، لكن بطرق تنفيذ وتقنيات مختلفة. ورغم كون أساس الغش لأعمال مادوف تقليدي، لكنه خفي على لجنة الأوراق المالية والتبادلات SEC، (أكبر جهة للرقابة المالية في الولايات المتحدة) لسنوات طويلة، ولم يكشف إلا بعد ''خراب مالطا'', كما يقول المثل.
كان مادوف يعلن أرباحا مغرية صنعت له شهرة وأكسبته ثقة عدد كبير من المستثمرين، وكثير منهم من الأسماء اللامعة. هذه الأرباح لم تكن حقيقية، بل نتيجة جذب إيداعات استثمارية جديدة. الأرقام التي يعلنها مادوف مملوءة بالمغالطات، فكيف مرت على الجميع: أصحاب ودائع ولجان إشراف ومراقبة على السوق؟ يرى البعض أنها الثقة الزائدة بمادوف مقرونة بصلف المودعين وتلك المؤسسات، التي صمت آذانها عن سماع النقد. كانت هذه النقطة من النقاط التي تعزز انتقادا موجها إلى نظرية في الاقتصاد الكلي تقوم على فرضية التوقعات الرشيدة في سلوك الناس من حيث المتوسط.
لتطبيق سلسلة بونزي بصورة تصعب كشفها، استخدم مادوف ومساعدوه عمليات تمويه وتضليل وتزوير واسعة النطاق، وكأن قصة مادوف تبدو صورة تطبيقية لما قاله الشاعر الفيلسوف المعري:
وإني وإن كنت الأخير زمانه
لآت بما لم تستطعه الأوائل
مظهر مكاتب شركاته توحي بأعمال تؤدى بأعلى مهنية, المكاتب في غاية الأناقة والترتيب. ويبدو للزوار كل شيء على ما يرام, إدارة احترافية تعرف ما تصنع، والنتيجة عمليات صحية تضخ الأموال للمستثمرين الذين تدفقت أموالهم على ما عرف بـ ''مادوف للأوراق المالية''. خدمات بناها مادوف للسمسرة والعمليات المالية على مدى ما يزيد على أربعة عقود تناولت المتاجرة بالأسهم والسندات وأشكالا متعددة من الأوراق المالية.
أعطى التثمين الذي أجراه بنك استثماري استشاري بوجود عمليات أعطت أرباحا صافية بما يزيد قليلا على 40 مليون دولار عام 2008. هذه العمليات تخضع لرقابة لجنة الأوراق المالية والتبادل، التي تبدو الأعمال لأعمالها الرقابية أنها تسير كما ينبغي. هم يراجعون مدى الالتزام بالضوابط والقواعد الموضوعة، وتحرك التدفق النقدي والتسجيلات. ورغم ذلك فشلت هذه العمليات أن تكشف الخداع والغش فيما وراء الجدران والمكاتب التي يعاينونها.
ظهر كتاب في الشهر الماضي من تأليف إيرن آرفدلاند، بعنوان ''مادوف: الرجل الذي سرق 65 مليار دولار''، وقد نشرت صحف كثيرة مقتطفات من هذا الكتاب، الذي حاول فيه مؤلفه توضيح كيف استطاع مادوف تنفيذ تلك السرقات. والحقيقة أن الرقم تقدير لمجموع المبالغ التي استقطبت وكانت مسرحا لعمليات مادوف، وليس تقديرا للمبالغ التي سرقت ودخلت ممتلكات مادوف فعلا.
كانت العمليات المكشوفة للعالم تجرى في الطابقين الثامن عشر والتاسع عشر, ولكن ما يجري في هذين الطابقين لا يبين طرفا من الأعمال الخفية, فمحور هذه الأعمال كانت تجرى في طابق آخر. كان هذا الآخر الطابق السابع عشر السري.
بنى مادوف قدراته في الاحتيال على حجب المعلومات. يحتفظ مادوف بقوائم الأسهم الممتازة blue-chip فقط، للعميل، ولم يكن صعبا على موظفي الطابق السابع عشر الحصول على بيانات تاريخية حتى ولو لمدة عقود. ويعتقد المحققون أن هذه هي الوسيلة التي كان يستطيع مادوف هندسة تجارته الزائفة بها. على سبيل المثال، حينما قرر في خريف 2008 أن يرفع حسابات عملائه 1 في المائة، لم يكن عليه إلا أن يرجع إلى الوراء لتقرير أي الأسهم التي ينبغي أن تجرى عليها عمليات تجارية بحيث تحقق زيادة 1 في المائة. ويعمل مادوف أو مساعده ديباسكالي على إدخال متاجرة لم تحدث من قبل إلى جهاز حاسب قديم يستعمل لخدمات استشارات الأعمال، وبهذا يصل إلى النتائج التي يرغبها. ثم يستعمل برنامجا كإكسل لتحديث معلومات العملاء تلقائيا، موزعا على كل الحسابات المكاسب التي حققت من المتاجرة التي تحقق نسبة 1 في المائة.
والخطوة التالية تكون بإرسال آلاف الوثائق القائمة على التزوير، التي تؤكد وتبرر عمليات تجارية لم تحدث أصلا. ومن المستبعد جدا أن تنشأ شكوك لدى العملاء الذين تسلموا هذه الوثائق بأن الأمور لا تجري على ما يرام. لم يكن مادوف يسمح للموظفين بأرشفة الإيملات, وبدلا من الأرشفة، كان يطلب منهم طبعها ورقيا ثم حذف النسخ الإلكترونية. وعدم الاحتفاظ بأي نسخة في الأجهزة الحاسوبية.
استغل مادوف التقنية التي تسمح للعملاء بالمتاجرة في بورصة ناسداك من خارج أمريكا، وعلاقاته بالقائمين على مؤشر ناسداك، وآخرين من كبار سماسرة ''وول ستريت'' لتمرير عمليات ظاهرها مشروع وباطنها غسل أموال باستعمال شركة له أنشأها في لندن. كانت الحجج سهلة لإعطاء أوامر بانتقال الأموال بين لندن ونيويورك، كاحتمال تعرض الجنيه الاسترليني للانخفاض. وبالله التوفيق.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي