أزمة الإدارة في إدارة الأزمة
الأزمات نوعان, نوع يكون خارج سيطرة المجتمع تحل به على حين غرة دون أن يكون له حول ولا قوة، ونوع آخر يكون نتيجة الإهمال وعدم التخطيط والغفلة عن الإعداد للمستقبل وعدم التحسب للمتغيرات والمستجدات. وفي كلا النوعين تكون هناك ضرورة للتخطيط والعمل لمواجهة الأزمة حتى بعد وقوعها لأن الأمور آنذاك تكون قد اتضحت والصورة قد تجلت والدمار قد وقع، وأصبح الناس على علم ودراية يطالبون برفع الضرر والتصدي للخطر المحدق بهم لتحتل الأزمة أولوية في أجندة العمل الحكومي. التخفيف من وقع الأزمة ومعالجتها مرتبطان بمدى قدرة النظم الإدارية الحكومية واستعدادها للتعامل مع آثارها وتداعياتها بكفاءة وفاعلية. وغني عن القول أن المجتمعات التي يغيب فيها التخطيط يكون التعامل مع الأزمة مجرد ردة فعل عشوائية وآنية وعاطفية حتى إذا ما تلاشت بفعل الزمن عادت الأمور كما كانت عليه، وهكذا تتوالى الأزمات الواحدة تلو الأخرى دون توقف. وكيف لها أن تتوقف والأجهزة الحكومية تكرر العمل بالمنهجية الروتينية ذاتها دون إبداع ودون أن تتعلم من التجارب الماضية وتبني خبرات تراكمية لتتحاشى الوقوع في الخطأ مرة أخرى وتكون أكثر استعدادا ودراية لما يجب عمله! الأزمات التي تقع على نطاق واسع وتؤثر في شريحة كبيرة من الناس تكون أضرارها بطبيعة الحال كبيرة وبليغة، وهي في الوقت ذاته أكثر غموضا وأصعب تنبؤا. كما أنها تنتشر على نطاق مكاني واسع وتؤثر في عدد كبير من الناس ما يصعب من مهمة تثقيفهم وتعاونهم وتكاتفهم في مواجهة الأزمة. ومكمن الصعوبة هو في إقناع العموم على اختلاف مستوياتهم الثقافية والاقتصادية والاجتماعية أن مسؤولية التصدي للأزمة تقع على عاتق الجميع دون استثناء. أولى الخطوات الحاسمة والمهمة في العمل الجماعي هي الرؤية المشتركة والإحساس المشترك في أن مواجهة الأزمة يقتضي النظر إليها من منظور جماعي وليس من منطلق فردي. هناك فرق بين أن ترى الأمور من زاوية المصلحة الذاتية الضيقة وأن ترى من زاوية المصلحة الجماعية. وحسب النظرة السائدة بين الناس يتحدد تصرف الأفراد والذي في مجموعة يمثل التصرف العام. لأوضح ذلك عبر مثال من أزمة نواجهها في الوقت الراهن وهي احتمال انتشار وباء مرض H1 N1 ، فلو نظر كل فرد إلى مصلحته الخاصة لم يلتزم بإرشادات وزارة الصحة لأن في ذلك تقييدا لحريته وتغييرا لما اعتاده وإلزام نفسه بأمور ربما لا يكون مقتنعا بها مثل عدم الذهاب إلى الأسواق والأماكن المزدحمة وغسل اليدين وتطهيرهما باستمرار واستخدام المناديل وطريقة وضع اليدين عند العطس وغير ذلك. إلا أن الرؤية الجماعية تجعل الأفراد يرون مصالحهم بدائرة أوسع ضمن تحقيق المصلحة الجماعية ويدركون أن الجميع يعيشون في السفينة نفسها يؤثرون ويتأثرون بالآخرين، وأنهم يشتركون مع الآخرين في المصير نفسه, وأن وقوع إصابة واحدة كفيل بأن ينشر المرض، لذا سيكون من مصلحة الجميع أن يحرص كل فرد من خلال النظرة الجماعية وبدافع المصلحة العامة على ألا يتسبب في انتشار المرض. ولكن كيف يدرك الناس المصلحة الجماعية أو العامة؟ وكيف يتم تحديدها وتعريفها في المقام الأول لتكون منطلقا للعمل المشترك؟ وكيف يتم إقناع العموم بها؟ الإجابة عن هذه التساؤلات تكمن في إيجاد ثقافة في المجتمع تجعل الأفراد يهتمون بالشأن العام والقضايا العامة. هذه الثقافة أساسها نظام إداري يشجع المواطنين على المشاركة في عملية صنع القرارات التي تهمهم. هذا التداخل الشعبي في عملية صنع القرار لا يكفل فقط تحقيق متطلبات المجتمع الحقيقية وإنما يوفر قناة للاتصال والتعرف على المتغيرات والمستجدات في البيئة ما يجعل الجهاز الإداري أكثر وعيا وإدراكا وحساسية لما يجري حوله ومن ثم الاستجابة بعمل المطلوب في التوقيت المناسب. لكن يظل الوضع الإداري الحكومي في واقع الحال يواجه تحديا يتمثل في انغلاق الأجهزة الحكومية على نفسها والانشغال بالإجراءات الروتينية الداخلية دون محاولة النظر إلى أفق أبعد وتوقع التغيرات المستقبلية، لا بل الإسهام في صناعة المستقبل. “الوقاية خير من العلاج”, هكذا تقول الحكمة التي تنطبق على جميع مجالات الحياة، لكن نجد أن الأجهزة الحكومية تجتهد في البحث عن العلاج والحلول وتتخلى عن عمل الإجراءات الاحترازية. والسبب قد يكون في أن الحلول حاضرة ومعروفة ويمكن استيرادها بعكس المشكلات التي تكون خفية غائبة تتشكل بطريقة تراكمية تدريجية لا يفطن لها, وبالتالي تتطلب جهدا فكريا وقدرة تحليلية ومعلومات كافية ونظرة مستقبلية وهو ما لا ترغبه أو لا تقدر عليه البيروقراطيات العامة. ولذا نجد على سبيل المثال أن كثيرا من الأجهزة الحكومية ذهبت تطبق تقنية المعلومات دون أن تغير من نمط الإجراءات الداخلية المطولة وفلسفتها في التعامل مع مستخدمي الخدمة، لتتحول المشكلات من ورقية إلى إلكترونية لتزيد من معاناة المراجعين وتزيد في جهلهم بما يجري داخل الأجهزة الحكومية. وفي كل مرة تتعطل المعاملات أو تتعثر الإجراءات يلقى باللائمة على جهاز الحاسوب ويحمل جميع المشكلات أو أن يترك الرد الآلي يتولى مهمة التصدي للمراجعين ليكون السد المنيع والحصن الحصين من تدفقهم وليطلب منهم محاولة الاتصال مرة بعد المرة وكأنه امتحان لقوة صبرهم أو أنه تحد لعنادهم وإصرارهم على الحصول على الخدمة! الأمر المهم في هذا الجانب أن تطبيق التقنية الشكلي يمنح إحساسا بالتطوير ما يزيد من حال الاسترخاء والاتكالية في البيروقراطيات الجامدة, وتبعا يجعل من الصعب توقع الأزمات. البيروقراطيات العامة غير مطالبة بالاستجابة لمتطلبات الجمهور, وكيف لها أن تستجيب وليس عليها رقابة اجتماعية عبر مجالس محلية منتخبة تملك صلاحية التشريع والمراقبة والمتابعة والمحاسبة؟ هذه هي الأزمة الإدارية في أن البيروقراطيات العامة تركت تعمل وإن بدت بكفاءة لكن دون فاعلية وتوجيه اجتماعي لتكون النتيجة أداء باهتا لا ينسجم مع المتطلبات الحالية ولا التطلعات المستقبلية. كما أن غياب الاستراتيجيات والخطط في العمل الحكومي أو عدم تنفيذها ـ إن وجدت ـ أدى إلى تضييق دائرة اهتمام البيروقراطيات بالقضايا العامة والخلط بين الأولويات والثانويات لينعكس ذلك على المجتمع وليعزز ثقافة تحقيق المصلحة الفردية, فالأداء اليومي لا يرتبط بخطط شهرية وأهداف استراتيجية وإنما متروكة للحظ! ليتحول الاهتمام بالعمل الحكومي إلى معالجة الحالات الفردية الآنية دون محاولة تحسين الوضع العام عبر سياسات تطويرية وخطط مستقبلية. هكذا تحل الأزمات وترتحل وتبقى تأثيراتها تتراكم لتتحول إلى معضلة نعجز عن مواجهتها وتدخلنا في دوامة الانشغال بإطفاء الحرائق هنا وهناك دون معالجة جذرية للمشكلات بتجنبها في المقام الأول. لقد أضحى من الضروري التحول إلى نهج إداري يشجع على التعلم التنظيمي والاستفادة من التجارب ومناقشة ما لم يكن ليناقش بشفافية عالية وإشراك المجتمع في عملية صنع القرار العام, وبذلك نرتقي بمستوى الوعي الجماعي لندرك أين نحن؟ وأين نرغب أن نكون؟ ولنتمكن من صناعة المستقبل حتى نسيّر الأحداث ولا نتركها تسيرنا, وحينها فقط نكون أكثر قدرة على التصدي للأزمات وإدارتها.