لماذا يرفع توماس فريدمان سبابته في وجه العرب المسلمين ؟
توماس فريدمان غني عن التعريف، وهو الحاصل ثلاث مرات على جائزة بوليتزر الشهيرة لكتاباته عن الشرق الأوسط، ولا مجال لمقارنته بصحافي وأستاذ جامعي بسيط من أمثالي. فريدمان كاتب عمود في جريدة «نيويورك تايمز»، العمود الذي تتلقفه الصحافة العربية فور صدوره، ويقبض أكثر من 50 ألف دولار لكل حديث يدلي به، وهذا أكثر بكثير مما أتقاضاه في سنة واحدة في السويد.
ولكن البون الشاسع بيننا لا يحول دون أن أدلو بدلوي كأكاديمي له مساهمة متواضعة في كيفية تحليل الخطاب الإعلامي في العصر الحديث، ولم يؤثر كاتب في الخطاب الغربي ولا سيما الأمريكي منه مثلما أثرّ فريدمان، ولم يشوه سمعة العرب المسلمين كاتب في العصر الحديث مثلما فعل فريدمان.
في معظم كتاباته يستخدم فريدمان توصيفات تقلل من شأن العرب المسلمين وتظهرهم كأناس مأخوذين بالعاطفة، وعدم التعقل واستعداء الديمقراطية والعصرنة. كثير منا لا يتفق مع الفيلسوف والناقد إدورد سعيد وذلك لأنه اتخذ من الاستشراق المتعصب والمسيس نموذجا للخطاب الغربي الموجه للعرب والمسلمين، ولكننا عندما نقرأ كتابات فريدمان نشعر كم كان إدورد سعيدا محقا.
ولنحلل معا آخر عمود كتبه في صحيفة «نيويورك تايمز» بتاريخ 4/10/2009، والذي قامت عدة جهات إعلامية عربية، من ضمنها قناة الجزيرة، بترجمة مقاطع مطولة منه إلى العربية ونشرها تحت عنوان «الإرهابيون لم يتعبوا».
يبدأ فريدمان عموده بالتركيز على «حسام ماهر حسين» وكيف أن مكتب التحقيقات الفيدرالي الأمريكي (جهاز الأمن) استطاع إغواءه من خلال خديعة محكمة للمشاركة في محاولة لتفجير ناطحة سحاب في دالاس ومن ثم إيداعه السجن. ويذكر كذلك العملية الإرهابية الفاشلة التي استهدفت أحد الأمراء السعوديين في جدة ويعرج على قصة شخص آخر يسميه نجيب الله وكيف أن جهاز الأمن الأمريكي استطاع إفشال محاولته «الإرهابية». ومن ثم يخلط الحابل بالنابل في خطاب يظهر فيه أن العرب المسلمين وأنظمتهم وجوامعهم وأماكن صلاتهم ما هي إلا مراتع لا تنبت شيئا غير الإرهاب.
الأسماء عربية إسلامية وكأن العنف والإرهاب شيء ميتافيزيقي متأصل في العروبة والإسلام أما الغرب «المسيحي» فهو بريء منه براءة الذئب من دم يوسف. ولكن الأنكى من ذلك هو الخلط الخطابي بين «الأصولية العمياء» لدى نفر من العرب المسلمين وبين الاتجاه العام والسائد لدى الغالبية العظمى منهم أن هؤلاء لا يمثلونهم ولا يمثلون الإسلام الحقيقي لا من قريب ولا من بعيد. وعمود فريدمان المكون من 830 كلمة يتمعج من مفردة سلبية إلى أخرى. فهناك «الأولاد الأشرار» من العرب المسلمين، و«الجهاديون» و«الأشرار» و«الجهاديون العدميون» و«عبادة الجهادية» و«المواقع الجهادية» و«الحرب االشريرة» و«قتل الكفار» وما لم ينزل الله به من مصطلحات يستخدمها فقط لتوصيف العرب والمسلمين.
ولا يقف فريدمان عند هذا الحد بل يذهب بعيدا في خطابه حيث يعزو مسببات العنف والإرهاب إلى الأنظمة العربية ولا سيما البترولية منها ويتهم العرب المسلمين وحكوماتهم بخلق بيئة راعية للإرهاب. ويخترع مصطلحا جديدا وهو «الحرب على الإرهابيين» وكأن العرب المسلمين لم يكتووا بما فيه الكفاية من «الحرب على الإرهاب». ويأخذ العراق نموذجا لما يسميه «الحرب الرحيمة» لخلق «حكومة تعددية تستند إلى الإجماع في قلب العالم العربي المسلم». ومع كل ما حدث من مأس مروعة في ذلك البلد، لا يزال فريدمان يرى أن هناك إشارات مشجعة لذلك. ولهذا، فإنه يدعو القراء إلى استيعاب مفهومه الجديد في إيجاد مقاربة بين «الحرب على الإرهاب» وبناء دولة «حديثة» في كل من العراق وأفغانستان.
ويخترع فريدمان، إضافة إلى ما ذكرناه، جبهة جديدة في الحرب على الإرهاب والتي يقول إنها ليست في أفغانستان بل «في الشبكة الطليقة المكونة من آلاف من المواقع الجهادية والجوامع ومجاميع الصلاة التي تجند وتلهم وتدرب الشباب المسلم على القتل».
أنا لست مسلما ولكن بدني يقشعر ويرتجف وفرائصي ترتعد من خطاب كهذا لأنه إذا كان فريدمان الذي يعد ليبراليا ويعمل في صحيفة ليبرالية يملك عقلا تحتله الأصولية العمياء عند الحديث عن العرب المسلمين فكيف يكون خطاب المحافظين الجدد.
من المؤسف جدا أن تتغلب النزعة الديماغوجية لدى كاتب مثل فريدمان على الحكمة والعقل. فريدمان متمسك بأهداب الخطاب الديماغوجي وأنه لفي ظلام حالك لأنه لا يرى الشر إلا في الآخرين والخير في نفسه وأصحابه، كم يفتقر شخص كهذا إلى الإيواء والحوار والخطاب الإنساني عند التحدث عن العرب والمسلمين، ففريدمان في خطابه هذا يزيح المسلمين، ولا سيما العرب منهم، ويحولهم إلى شيء نافل لا يستحق حتى المقارنة بالآخرين.
ينطبق على فريدمان قول عيسى بن مريم في الذين يدينون الآخرين قبل إدانة أنفسهم، حيث يدعوهم إلى إخراج الخشبة الكبيرة من أعينهم أولا كي يروا بما فيه الكفاية لإخراج القذى من عيون الآخرين. وإن لم يكن فريدمان كذلك لاستطاع رؤية الآلاف المؤلفة من العراقيين الأبرياء الذين قتلهم «الأولاد الأخيار» في غزوهم لهذا البلد. لكان بصره شاهد مئات الآلاف من الجنود الغازية المدججة بأحدث الأسلحة وهي تفتك بمدينة عراقية بعد أخرى.
الخشبة التي في عينيه لا تسمح له برؤية الهمرات الأمريكية وهي تجوب الشوارع في العراق وتدوس سيارات مدنية بمن فيها من الأطفال والنساء وكأن شيئا لم يحدث. الخشبة التي في عينيه لا تسمح له بمساءلة «الأولاد الأخيار» عن عدد المدنيين الأبرياء من العراقيين الذين قتلوهم لأن أولاده هؤلاء لا يكترثون بمن يقتلون من العراقيين ولهذا لا إحصائيات لهم عن ذلك.
الخشبة التي في عيني فريدمان لا تسمح برؤية الاحتلال الإسرائيلي الهمجي للفلسطينيين. فريدمان لا يرى أن إسرائيل تطبق على الفلسطينيين القوانين التي كانت الإمبراطورية البريطانية تتبعها في التعامل مع مستعمراتها والتي بموجبها تستولي إسرائيل على الأراضي الفلسطينية المحتلة وتمليكها لمن تشاء من يهود العالم بعد طرد سكان الأرض الأصليين وتبني فوقها المستعمرات وكل هذا في القرن الـ 21. الخشبة التي في عيني فريدمان لا تسمح له أن يرى الانتهاكات الفظيعة لحقوق الإنسان التي اقترفها «الأولاد الأخيار» في أبو غريب وجوانتانامو والأبرياء الذين يقتلهم هؤلاء «الأخيار» بأسلحتهم الذكية. والخشبة ذاتها لا تسمح له أن يرى مئات الآلاف من الجنود الغربيين الغزاة الذين يقاتلون على أراضي المسلمين ويعيثون فيها فتكا وهتكا والمسلمون ليس لديهم جندي واحد على أراضيهم. ولولا المساحة الضيقة المخصصة لهذا العمود لكنا قد استرسلنا في ذكر شاهد بعد آخر على الإرهاب الذي يغمض فريدمان عينيه عنه. بيد أن الخدعة التي استخدمها جهاز الأمن الأمريكي للإيقاع بحسام ماهر حسين لغشه وإغرائه في تفجير ناطحة سحاب تسمح له باستهلال عموده الشهير للنيل من العرب المسلمين وغض الطرف عن الإرهاب الصادر من بني قومه لأن الخشبة التي في عينيه قد سدت بصره.