جودة خدمات المصارف
عندما نشبت الأزمة المالية العالمية هبت حكومات العالم بسرعة لنجدة المصارف التجارية وإنقاذها من ورطتها التي أوقعت نفسها فيها. وخصصت السلطات الرسمية حول العالم مئات المليارات من الدولارات من الموارد الحكومية لإسعاف المصارف التجارية من الكوارث التي نتجت عن جشع إداراتها العليا. فقد سعت تلك الإدارات إلى تحميل المصارف المنهارة مخاطر مرتفعة لنيل مكافآتها من الأرباح المحققة، ما تسبب في خسارة المصارف مبالغ فلكية من إجمالي أصولها. وعارض كثير من الناس منح المصارف التجارية الأموال العامة وتجاهل الضحايا البسطاء من الناس الذين فقدوا منازلهم وأضحى كثير منهم من دون عمل. ويبدو أن غمامة الأزمة المالية التي عصفت بالعالم في طريقها إلى الانقشاع ولكن تأثيرها في الأمد الطويل سيستمر، خصوصاً ما كشفته من سوء الإدارة والفساد في الأسواق المالية والمصارف وعدم قدرة الأسواق على تنظيم نفسها.
وفي المملكة أبدت مؤسسة النقد العربي السعودي استعدادها لإنقاذ المصارف التجارية وبذل ما يلزم لضمان استمرارها في أنشطتها. ومرت الأزمة المالية إلى الآن بسلام على المصارف التجارية. ومن نعم الله أن المؤسسات الرسمية في المملكة لم تتحمل أي أعباء مالية لإنقاذ المصارف المحلية. وما زالت المصارف التجارية تتوقع أن تجد من الدعم الرسمي ما يضمن إلى حد كبير استمرارها في أنشطتها. وفي المقابل لا يبدو أن المصارف التجارية تبذل أي جهود لتغيير سلوكها وسياساتها المصرفية ورفع مستوى أدائها وفاعليتها، بل تبدي المصارف مزيدا من الجمود في ممارسة أنشطتها والتعامل مع عملائها. ويبدو ذلك واضحاً لأي شخص من خلال زيارة كثير من المصارف المحلية، حيث يمكن ملاحظة الازدحام الشديد والبطء في تنفيذ العمليات المصرفية، خصوصاً لعملائها الصغار الذين لا يملكون أموالاً طائلة تمكنهم من الحصول على معاملة متميزة من هذه المصارف. ويرجع جزء كبير من التعامل السيئ للمصارف التجارية مع عملائها إلى قصر نظرة إدارتها المركزية التي يبدو أنها لا تتبنى بفاعلية معايير جودة العمل, ولو تبنت المصارف معايير جودة لخدماتها لبذلت جهودا أكبر لإرضاء عملائها, وركزت المصارف بدلاً من ذلك على السياسات التي تعظم الأرباح قصيرة الأجل. وقادت تلك السياسات إلى تبني عدد من الإجراءات المخفضة لجودة العمل بما في ذلك خفض أعداد العمالة المصرفية مقارنةً بحجم العمليات المصرفية، وكذلك سوء اختيارها العمالة، وانخفاض مستويات تدريب العمالة التي تتعامل مع الجمهور, وإضافة إلى ذلك قاد تراجع أجور العمالة التي تتعامل مع الجمهور عما كانت عليه في السابق إلى انخفاض مستويات أدائها وإنتاجيتها. وركزت المصارف على رفع أجور الإدارة العليا التي تتلقى مرتبات قد تكون الأعلى في المملكة. ويبدو أن الاهتمام المتزايد براحة ومكافآت الإدارة العليا في المصارف والإهمال النسبي للعمالة المنفذة للعمليات المصرفية لم يحسن من جودة الخدمات المصرفية. وبوجه عام قد يكون هذا أحد الأسباب التي قادت إلى الأزمة المالية العالمية، حيث أدت الثقة المتزايدة للإدارة العليا بسياساتها وتعاملها مع العمالة المنفذة للعمليات المصرفية كروبوتات إلى تدني مستوى أداء المؤسسات المالية وتعريضها إلى مخاطر كبيرة.
ويتضح انخفاض تأهيل العمالة المصرفية المحلية عند التعرض أو الاستفسار عن العمليات المالية أو الإشكالات المصرفية، حيث تحصل في بعض الأحيان على إجابات متعددة تتوقف على مصدر الإجابة, فإجابات موظفي الهاتف المصرفي تختلف عن إجابات موظفي فروع المصارف, وقد تكون إجابات الطرفين خاطئة وتجد في النهاية أن عليك مراجعة المركز الإداري الرئيس للمصرف لحل الإشكال المصرفي أو الحصول على الإجابة الشافية.
ومع تعدد المصارف المحلية وكثرة فروعها إلا أن كثيراً من فروع المصارف المحلية تعاني ازدحاما شديداً، حيث يقوم موظف أو اثنان بخدمة عشرات وأحياناً مئات العملاء ما يضطرهم إلى الانتظار أوقاتا طويلة للحصول على خدمات بسيطة. وبهذه الطريقة تتصرف إدارات المصارف وكأنها لا تكترث بوقت العملاء ولا براحتهم وكأن العملاء ليس لديهم أعمال ومشاغل سوى مراجعة المصارف. وأدخلت المصارف كثيرا من الخدمات التقنية المصرفية التي كان من المؤمل أن تخفف من الازدحام في المصارف، لكن ما زالت المصارف تعاني تدني مستويات خدماتها. ومن المؤسف أحياناً ملاحظة تعمد بعض موظفي المصارف البطء الشديد في تنفيذ العمليات المصرفية وعدم الاهتمام بشعور أو وقت العملاء وكأنه شيء لا يعنيهم. ويفتقد كثير من موظفي المصارف مهارات وأصول إرضاء العملاء، ولهذا يزداد حنق كثير من العملاء على مصارفهم. وقد يكون لقلة المصارف الموجودة في نطاق جغرافي معين دور في وجود قوى احتكارية على المستويات المحلية, ما يقلل من خيارات العملاء في تغيير مصارفهم. ويبدو أن الطلب على الخدمات المصرفية ما زال مرتفعاً مقارنةً بعدد المصارف الحالية الموجودة في المملكة, ما يتطلب إنشاء مزيد من المصارف التجارية.
وتخول الأنظمة المصرفية في المملكة مؤسسة النقد العربي السعودي تحمل مسؤولية الرقابة على المصارف، ولهذا فإنها تتحمل جزءا كبيرا من المسؤولية عن انخفاض جودة الخدمات المصرفية في أي بقعة في المملكة. ونظراً لاتساع مناطق المملكة والارتفاع المستمر في الطلب على الخدمات المصرفية فإنه قد يصعب على المؤسسة مراقبة خدمات المصارف, ولهذا فقد يكون الوقت قد حان لإنشاء جهاز مستقل يتخصص في مراقبة المصارف ويسعى إلى وضع معايير جودة للخدمات المصرفية ورفع مستويات خدماتها. كما تتحمل جمعية حماية المستهلك مسؤولية مقاضاة المصارف على الأضرار التي تنتج عن ممارسات المؤسسات المصرفية تجاه العملاء.