مثقفون: مشروع أوباما سياسي له جذور ثقافية ويمكن أن يؤثر في حوار الحضارات
أثار حصول الرئيس الأمريكي باراك أوباما على جائزة نوبل للسلام عديدا من التساؤلات والقراءات التحليلية ثقافيا لخطابه السياسي .. فهل قدم باراك أوباما خطابا سياسيا ينطلق من خلفيات ثقافية؟ بينما يطرح بعض المثقفين نظرات تشاؤمية حول مستقبل العالم مثل فوكوياما, الذي طرح نظرية نهاية التاريخ وصامويل هينتجون الذي تناول مصطلح صراع الحضارات, يسمع العالم خطابا سياسيا يحمل بذور التفاؤل نحو حوار الحضارات وثقافة السلام. حصول أوباما على جائزة نوبل للسلام أثار تساؤلات حول مدى تأثير السياسي في الفعل الثقافي, فبينما رأى بعض المثقفين أن خطابه كان سياسيا ويخدم مصالح عليا رأى فيه آخرون أنه يحاول أن يتدارك الجرح الثقافي العميق الذي أحدثته الحروب السابقة بين الحضارات, وأنه يستطيع أن يطرح مشروع حوار الحضارات إذا خفف ما أحدثته السياسة من جرح في الشعور الثقافي. استطلعت "الاقتصادية" آراء المثقفين حول حصول أوباما على جائزة نوبل للسلام وقراءته ثقافيا.
يرى المفكر والكاتب محمد محفوظ في خطاب أوباما الانفتاحي –كما وصفه - أن جذوره ثقافية ومعرفية وإن كان من شخص سياسي, والثقافي دائما هو أكثر تفاؤلا من السياسي, فهذه الجوائز الدولية تلاحظ حجم التأثير الذي يتركه السياسي في الحياة العامة. ويضيف ''أعتقد اختيار أوباما للجائزة ليس وليد معايير ثقافية ومعرفية محضة إنما هو وليد الموقع والتأثير الذي يتركه خطاب أوباما في العالم بأسره, ولكن يبقى الثقافي هو القادر على إحداث التغيرات الضرورية في مشروع الإصلاح والتغيير على المستوى العالمي''.
وبسؤاله إن كان الخطاب السياسي يمكن أن يكون أكثر تفاؤلا من الخطاب الثقافي, يقول ''على مستوى الإمكان العقلي يمكن أن يكون السياسي أكثر تفاؤلا من الثقافي لكن السياسي مسؤول عن إدارة اللحظة, والثقافي يتحدث عما ينبغي أن يكون عليه العالم, لذلك أعتقد على المستوى المجرد أن الثقافي أقدر على صنع التفاؤل وبيان التأثيرات الإيجابية لخطابه الانفتاحي من السياسي، فالخطاب السياسي بحكم أنه يمتلك السلطة فهو يؤثر في طبيعة الخطاب الثقافي ويحدد بعض أولوياته. ويضيف ''أعتقد أن هناك تأثيرا حقيقيا من السياسي في الثقافي يأخذ أشكالا وتعبيرات مختلفة من مجتمع آخر وحضارة أخرى إلا أن القاسم المشترك بين الأمم والحضارات هو وجود تأثير نوعي وحقيقي من السياسي في الثقافي''.
ويتابع ''أوباما لم يؤسس لنظرية جديدة بقدر ما هو أظهر التراث الليبرالي في الخطاب السياسي الأمريكي, وعملية الإظهار خاضعة للمصلحة الاستراتيجية العليا لأمريكا, خطاب يأتي من رجل سياسي يرى أن مصالح أمريكا تقتضي الخطاب الحواري الثقافي.
ويقول الكاتب يحيى الأمير ''لما انكشف العالم أمام بعضه حدث نوع من الطمأنينة وأصبح هناك شعور متبادل أن العالم ليس مخيفا كما كان متوقعا عندما كان منغلقا حتى أحداث 11 سبتمبر كان تأثيرها الثقافي أكثر من المتوقع لو أن العالم كان مقفلا على بعضه ثقافيا''
وحول خطاب أوباما يقول ''ينطلق أوباما من بعد ثقافي تجاه سعيه إلى إدخال بعض عناصر البعد الثقافي في السياسي, وهو ما كان غائبا في الفترة الرئاسة الأمريكية السابقة التي دمرت علاقة العالم بكياناته كما حدث في حرب العراق وأفغانستان مما تسبب في جرح ثقافي عميق في العالم, فعندما بدأ يشعر العالم بأنه سيخسر سياسيا بدأ يتحرك ثقافيا'', مضيفا ''في خطاب أوباما نوع من محاولة نقل عناصر الرضا والقبول داخل الحوار من بعده الثقافي إلى بعده السياسي''. ويتابع ''تحترم السياسة الثقافة إذا أصبحت السياسة منطلقة من ثقافة تستوعب السياسات داخل الدوائر الثقافية''.
ويقول ''هناك بوادر في الأسبوع الأول من تسلمه مهامه, حيث وجه بإغلاق معتقل جوانتانامو, ما حدث كان نوعا من محاولة تدارك الجرح الثقافي الكبير في خطابه في القاهرة يختلف عن الفعاليات الأخرى. كان خطاب وسط الثقافة الأكثر اشتباكا مع الثقافة الغربية وأقصد بالاشتباك هنا في البعد السياسي وليس الثقافي, فالقبول الثقافي موجود بدءا من الأغنية والوجبات السريعة، ثقافيا لا توجد مشكلة بين الثقافتين العربية والغربية ولكن الاشتباك سياسي, ففي خطاب أوباما في القاهرة كان موجها للثقافة الأكثر اشتباكا سياسيا مع الثقافتين الأمريكية والغربية لأنه لا توجد ثقافة تعيش صداما مع الثقافة الأمريكية والغربية مثل الثقافة العربية, فمثلا الثقافات الإفريقية واليابانية والهندية ليست متصادمة ولا تعيش ارتباكا في علاقاتها الحضارية بالثقافة الأمريكية كما هو في ثقافتنا العربية. ويضيف ''يستطيع أوباما أن يطرح مشروع إحياء الحضارات إذا استطاع تخفيف ما تسببت فيه السياسة من جروح عميقة في الشعور الثقافي العام, وتحديدا لدى الثقافة والحضارة التي تريد أن تحاورها, وتبدو هناك بوادر تتمثل في إحلال عملية السلام ولذا لأول مرة نسمع ضغطا على إسرائيل في مسألة الاستيطان فإذا استطاع تخفيف ما تصنعه السياسة يمكن أن يؤسس لحوار حضارات.
تساءل الدكتور محمد اللويم: ما المقصود بمصطلح حوار الحضارات؟ مضيفا: هل هو مجرد تنظير للمداولة أم مشروع لنشر حالة من التعاطي بين المجتمعات والعمل على نشر العدالة بين البشر والرفع من مستوى الإنسان؟ إذا كان هذا المصطلح المقصود بحوار الحضارات بالتأكيد الساسة لا يعدون الأشخاص أو الجهة المناسبة لإثارة الموضوع لأنهم لا يعملون على أساس القيم بل على أساس المصالح, فإذا تقاطعت مصالحهم مع مفهوم الحضارات يأخذون به, لكن السؤال إذا تعارضت مع مصالحهم هل سيعملون وفق منظور هذا المصطلح؟
ويضيف ''باراك أوباما رجل سياسي جاء على أنقاض سياسة, ويحاول أن يطرح مصطلحات ومفاهيم تمتص ما تركته السياسات السابقة, ويحاول تأسيس سياسة جيدة, وهذا لا يعني أن ما يرفعه من شعارات ستؤدي إلى حقيقة مصطلح حوار الحضارات''.
وحول البعد بين التفاؤل السياسي في خطاب أوباما والنظرة التشاؤمية في النظرة الثقافية كما هي في نظرية فوكوياما بنهاية العالم وصامويل هينتجون بسقوط الحضارات قال اللويمي ''فوكوياما أسس نظريته بناء على البعد التاريخي لمسار العالم, أو نظرية الرأسمالية في الغرب, ووصل إلى قناعة بأن هذا المسار استطاع أن يسقط نده الشيوعي وهو يريد أن يقول إن النظام السابق والغربي الديمقراطي هو قمة النظام الحضاري ولن يأتي بعده نظام أكثر قدرة ونضجا منه''.
ويضيف ''الساسة يعدون عناصر فاعلة في إثارة حوار حضاري ناجح لكن منهج الساسة وطبيعة عملهم قد يتعارضا مع مفهوم هذا المصطلح لأنهم يعملون على أساس مصالح الدول العظمى، من يستطيع أن يصنع حوار الحضارات ليس الساسة, وإنما المنظمات المدنية هي التي تستطيع صنع حوار الحضارات.
وتقول الكاتبة عالية فريد ''إن حوار الحضارات سياسيا وثقافيا واقتصاديا هو المطلوب, وبالذات أن بعض المجتمعات العربية والعالمية تمر بمرحلة تحول بداية لنهضة جديدة وفي حاجة إلى انفتاح الحضارات, ورأينا الأثر الإيجابي بغض النظر عن السلبيات من خلال زيادة الوعي والانفتاح والتعرف على المجتمعات الأخرى وقبول الرأي الآخر, بشكل عام المجتمعات تحتاج إلى حوار الحضارات''.
وحول البعد الثقافي في خطاب أوباما السياسي تقول ''السياسة ما هي إلا ثقافة الممارسة السياسية, ثقافة الخطاب لها تأثيرها, أتمنى أن تدفعه بجدية لتعزيز الديمقراطية وتدعيم أسس مبادئ العدل والحرية وتعزيز حقوق الإنسان لتكون دافعا له في هذا الاتجاه وليس مجرد جائزة لشخصيته لن تفيد إن لم تنعكس على واقع العالم الثقافي والاقتصادي والسياسي وتصحيح كثير من المفاهيم وتنعكس على المجتمعات في جوانب النهضة والعدل والمساواة''.
وتتساءل عالية بعد خطاب أوباما في القاهرة ما آليات تفعيله؟ وهل تغيرت السياسات الأمريكية في العالم أم أن خطاب أوباما كان لمجرد استدرار العواطف؟ وهل كان خطابا سياسيا أكثر منه ثقافيا؟
وتقول ''إن تعزيز الحوار السياسي والثقافي ينعكس على الشعوب, فلعل الجائزة تكون داعما لتعزيز مبادئ الديمقراطية والعدل والمساواة وترسيخ مفاهيم حقوق الإنسان''.