حين تكره عملك

حين تكره عملك

يقول Albert Canus في كتابه ''أسطورة سيزيف'' إن الانتحار هو المشكلة الفلسفية الخطيرة الوحيدة. وهي مشكلة إدارية خطيرة أيضا في فرنسا في الوقت الراهن، فقد أثارت سلسلة محاولات الانتحار الفاشلة والناجحة في France Telecom - التي من الواضح أن عديدا منها مدفوعة بمشكلات في العمل ـ نقاشا وطنيا حول الحياة في الشركات الحديثة، فقد طعن أحدهم نفسه في منتصف اجتماع (ولكنه نجا). وقفزت امرأة من نافذة مكتبها في الطابق الرابع بعد إرسال رسالة إلكترونية تتحدث فيها عن نيتها في الانتحار إلى والدها، وقالت فيها: ''لقد قررت قتل نفسي الليلة.. لا أستطيع تحمل إعادة التنظيم الجديدة.'' وبشكل عام، انتحر 24 من موظفي الشركة منذ أوائل عام 2008 ـ وتلي هذه الحصيلة المروعة حوادث مماثلة في دعائم أخرى من الصناعة الفرنسية بما في ذلك رينو وبيجو وEDF.
وهناك بعض الأسباب البسيطة لهذا الاتجاه المحزن، فشركة France Telecom في طور الانتقال الصعب من احتكار الدولة إلى شركة متعددة الجنسيات. وقد تخلصت من 22 ألف وظيفة منذ عام 2006، إلا أن ثلثي العمال المتبقين يتمتعون بالأمن الوظيفي مثل الخدمة المدنية. ويجبرها هذا على اتباع استراتيجية سامة: تعليم موظفي الخدمة المدنية القدامى حيلا جديدة في الوقت الذي تعين فيه الموظفين الجدد بموجب عقود قصيرة الأجل. إلا أن هذه المشكلة لا تقتصر على فرنسا. وتشير حسابات مكتب إحصاءات العمل الأمريكي إلى أن حالات الانتحار المرتبطة بالعمل زادت بنسبة 28 في المائة بين عامي 2007 و2008، على الرغم من أن النسبة أقل منها في أوروبا. والانتحار ليس سوى غيض من فيض في سيل الشقاء المرتبط بالعمل.
ووجد مسح أجراه مركز Centre for Work-Life Policy الاستشاري أنه بين حزيران (يونيو) 2007 وكانون الأول (ديسمبر) 2008 انخفضت نسبة الموظفين الذين يعلنون ولاءهم لأصحاب عملهم من 95 في المائة إلى 39 في المائة؛ وانخفض عدد الذين يثقون بهم من 79 في المائة إلى 22 في المائة. ووجد مسح حديث آخر أجرته شركة DDI الأمريكية الاستشارية أن أكثر من نصف المستجيبين وصفوا وظائفهم بأنها ''راكدة''، ما يعني أن عملهم غير مشوق وأن أملهم في الترقية ضعيف. ويعتزم نصف هؤلاء ذوي الوظائف ''الراكدة'' البحث عن وظيفة أخرى بمجرد تحسن الاقتصاد. ويتشبث الناس بوظائفهم الحالية، بغض النظر عن مدى كرههم لها، ويحلمون بالانتقال حين يتحسن الاقتصاد. لهذا تأثير سلبي في الإنتاجية قصيرة الأجل والقدرة التنافسية طويلة الأجل: الأشخاص الأكثر احتمالا للانتقال حين تتحسن الأمور هم الأشخاص ذوو الإمكانات العظيمة الذين يشعرون بأنهم يتم تجاهل مواهبهم.
والسبب الأكثر وضوحا لزيادة المشاعر بالتعاسة هو الركود، الذي يدمر الوظائف بسرعة مذهلة وينشر القلق لدى قوة العمل. إلا أن الركود يسلط الضوء أيضا على مشكلات أطول أجلا. يبدو أن التعاسة شائعة بصورة خاصة في شركات السيارات، التي تعاني قدرة الإنتاج المفرطة عالميا، وشركات الاتصالات، التي تتعرض للصدمات من الثورة التكنولوجية. وفي مسح شمل موظفي France Telecom عام 2008، وجدت الشركة أن ثلثي الموظفين قالوا إنهم ''منهكون ومضغوطون'' فيما قالت نسبة السدس إنهم ''تعساء''.
والمصدر الثاني للبؤس هو النزعة لتحسين الإنتاجية، التي تكون عادة مصحوبة بهوس قياس الأداء. وتستخدم شركات التجزئة العملاقة برنامج ''إدارة القوى العاملة'' لرصد الوقت بالثواني الذي يستغرقه فحص السلع في عربة البقالة، ثم تكافئ العمال الأكثر نشاطا في العمل بساعات عمل ممتازة. ويعج القطاع العام، خاصة في بريطانيا، بهيئات التفتيش وأهداف الأداء. وانتشر نظام تايلور، الذي سخر منه تشارلي شابلن في Modern Times، من الاقتصاد الصناعي إلى الاقتصاد ما بعد الصناعي. في اليابان، ترصد بعض الشركات فيما إذا كان موظفوها يبتسمون بصورة كافية للزبائن.
وتكمن المشكلة الأكثر دقة في الرسائل المشوشة التي ترسلها الشركات عن الولاء والالتزام. وتطالب عديد من الشركات ـ خاصة الشركات الناجحة ـ موظفيها بإظهار تفان غير عادي. (وفقا لنكتة قديمة، تقدم مايكروسوفت ساعات عمل مرنة: ''يمكنك العمل في أي نوبة من 18 ساعة تريدها''). وتقدم بعضها امتيازات تهدف إلى جعل المكتب يبدو كمنزل ثان. إلا أن الشركات تحتفظ أيضا بحق تقليص قوة عملها عند أول بادرة للمشكلات. ويفهم معظم الموظفين أن شركاتهم لا تشعر بمسؤولية كبيرة لحماية وظائفهم، ولكنهم مع ذلك يشعرون بالألم عند ترك وظيفة استهلكت كثيرا من حياتهم.

إنتاج البهجة
هل يمكن فعل أي شيء حيال وباء التعاسة هذا؟ هناك بعض الأشخاص، خاصة في أوروبا الذين يعتقدون أنه يدعم حجة ضرورة زيادة حقوق العمّال, إلا أن فعل هذا لن يضع حدا للاضطرابات الناجمة عن الابتكار التكنولوجي في قطاع الاتصالات أو فرط الطاقة الإنتاجية في صناعة السيارات. وقد تفاقم الوضع في France Telecom بسبب حقيقة أن كثيرا جدا من العمال كانوا من العمال الذين لا يمكن طردهم. وإذا كان هناك حل للمشكلة، فهو يكمن بأيدي المديرين والعمال وليس الحكومات.
ويجب على الشركات فعل أكثر من مجرد تقديم الكلام المعسول للجانب الإنساني من الإدارة. وعليها أيضا أن تتعلم من الأخطاء الموثقة للشركات الأخرى (عينت France Telecom، وإن متأخرا، شركة Technologia الاستشارية التي ساعدت شركة رينو في مشكلة الانتحار التي كانت تعانيها). ويقول Bob Sutton من جامعة ستانفورد إن على الشركات فعل ما بوسعها لتكون صادقة مع موظفيها، حتى إن كان هذا يعني تأكيد الأنباء السيئة. وينبه أيضا إلى ضرورة أن يتوخى الرؤساء الحذر من الإشارات التي يرسلونها في الأوقات العصيبة، فقد تؤدي العبارات غير المدروسة إلى موجة من القلق والتكهنات. أما بالنسبة للعمّال، فقد تكون عادة الاستعداد للطوارئ، التي تزعج جدا كثيرا من الشركات، استجابة حكيمة للاضطراب الاقتصادي.
على المدى الطويل، قد يرتاح العمال لمعرفة أن التاريخ قد يكون إلى جانبهم في العالم الغني، قد يؤدي انخفاض معدل المواليد والزيادة الوشيكة في حالات التقاعد وتقييد الهجرة إلى تخفيض عدد الأشخاص في سن العمل بنسبة 20 و40 في المائة. وقد يصبح الموظفون التعساء اليوم قادرين يوما ما على الانتقام، عن طريق أخذ خدماتهم إلى مكان آخر >

الأكثر قراءة