عالقون بين أمريكا والشارع

عالقون بين أمريكا والشارع

كان كل شيء يجري على ما يرام بالنسبة إلى زعيم السلطة الفلسطينية المخضرم محمود عباس. فقد كان الرئيس وحزب فتح يتمتعان بزيادة الدعم الشعبي لهما بسبب تحسن الوضع الأمني وزيادة النمو الاقتصادي في الضفة الغربية؛ بل كانت قيادته تبدو أقوى بعد أن عقد بنجاح أول مؤتمر للحزب منذ 20 عاما في بيت لحم في آب (أغسطس). ولكن دام هذا فقط إلى أن تخلت البعثة الفلسطينية لدى الأمم المتحدة عن تأييدها لتقرير جولدستون حول هجوم إسرائيل على غزة في مجلس حقوق الإنسان للأمم المتحدة، في جنيف، في الأول من تشرين الأول (أكتوبر). ومنذ ذلك الحين، يواجه عباس سيلا غير مسبوق من الانتقادات، غالبا من أقرب حلفائه. وفي الواقع، فإن تذبذبه حول كيفية الرد على التقرير قد يكون أضر بصورة كبيرة بمكانته.
وفي الأصل، كان الفلسطينيون يخططون لتقديم مشروع قانون في جنيف يطالبون فيه بطرح التقرير للمناقشة في مجلس الأمن، الذي يملك صلاحية الطلب من المحكمة الجنائية الدولية مقاضاة الأشخاص على جرائم الحرب. ولكن بدلا من ذلك، اتفق الفلسطينيون على تأجيل تصويت تأييد التقرير حتى آذار (مارس) 2010. ويقول أشخاص مقربون لعباس إن الفلسطينيين تراجعوا عن تأييد التقرير تحت ضغوط من أمريكا، التي تبنت موقف إسرائيل بأن أي مبادرة دبلوماسية تستند إلى التقرير المثير للجدل ستكون بمثابة الضربة القاضية لعملية السلام. ويُقال إن روسيا والصين لا ترغبان أيضا في أن تتم مناقشة التقرير.
وقد كان تقرير جولدستون بتكليف من مجلس حقوق الإنسان للأمم المتحدة ومن إعداد ريتشارد جولدستون، القاضي السابق في جنوب إفريقيا. وقد درس عددا من جرائم الحرب المزعومة التي ارتكبتها القوات الإسرائيلية خلال العمليات العسكرية التي دامت ثلاثة أسابيع في غزة، التي تم شنها في كانون الأول (ديسمبر) 2008، ومن قبل الجماعات الفلسطينية التي قتلت وجرحت مدنيين إسرائيليين حين أطلقت صواريخ على جنوب إسرائيل. واستنتج التقرير، الذي صدر في 15 أيلول (سبتمبر)، أن كلا الجانبين مسؤولان عن انتهاكات حقوق الإنسان والقانون الإنساني. واتهمت على وجه الخصوص إسرائيل باستخدام سياسة القوة غير المتناسبة التي تستهدف شعب غزة بأكمله، وليس فقط مقاتلي الميليشيا الإسلامية حماس. ورفضت إسرائيل التقرير ورفضت التعاون مع بعثة تقصي الحقائق لأنها تعتقد أن مجلس حقوق الإنسان للأمم المتحدة متحيز ضدها. وأيدت حماس التقرير مبدئيا، وقالت إنها ستنظر في التهم الموجهة إليها. وكان قرار السلطة الفلسطينية تأجيل المصادقة على التقرير سريعا، وانتقدته جميع الفصائل الفلسطينية السياسية بقوة. كما اجتذب انتقادات قاسية بصورة غير معتادة من داخل فتح؛ دعا بعض القادة إلى استقالة عباس، متهمين إياه بتجاهل رغبات أسر القتلى في غزة. وفوجئ عباس بالغضب الشعبي العارم، واضطر إلى التراجع. وأمر بإجراء تحقيق داخلي في أسباب تأجيل السلطة الفلسطينية التصويت، على الرغم من أنه يُعتقد على نطاق واسع أنه هو الذي اتخذ هذا القرار. وفي السابع من تشرين الأول (أكتوبر)، أيد طلبا قدمته ليبيا لكي يناقش مجلس الأمن تقرير جولدستون، مع أنه سيكون من المستحيل إقرار أي قرار بسبب الفيتو الأمريكي.
ولم يكن هناك شيء غير ذلك يمكن أن يفعله عباس حين وصل الغضب مستويات جديدة في الشارع الفلسطيني. وفي غزة، ظهرت في الأماكن العامة آلاف الملصقات التي تصور عباس وعلامة X على كامل وجهه، وكان أقارب ضحايا العملية العسكرية التي تم شنها في الشتاء يلقون الأحذية على صورته، في إشارة إلى الحذاء الذي تم إلقاؤه بازدراء على الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش، في العراق.
ومع ذلك، من المشكوك فيه فيما إذا كان تغيير السياسة المفاجئ هذا سيكون كافيا لإنقاذ صورة السلطة الفلسطينية المشوهة. وجاءت هذه الخطوة في جنيف التي لم تحظ بالشعبية بعد أكثر من أسبوع فقط على لقاء عباس مع بنيامين نتنياهو، رئيس الوزراء الإسرائيلي، في نيويورك- وهو أمر تعهد عباس عدم فعله إلى أن توافق إسرائيل على تجميد بناء المستوطنات. وأدى هذان الحدثان إلى إحياء التصورات الفلسطينية الشعبية عن فتح باعتبارها ''متلاعبة'' بالسلطة الفلسطينية ومتعاونة فاسدة ومتخاذلة مع المحتل الإسرائيلي.
وكالعادة، يزدهر المتشددون والمسلحون حين يبدو المعتدلون ضعفاء ومنعزلين عن الشعب. وفي الوقت الذي كان فيه رجال عباس منشغلين بمحاولة إخراج أنفسهم من فوضى تقرير جولدستون، كانت حماس تحتفل بابتهاج بصفقة إطلاق سراح 20 سجينة مقابل شريط فيديو لجلعاد شاليط، الجندي الإسرائيلي الذي أسرته حماس قبل أكثر من ثلاث سنوات. وما يزيد من مشكلات عباس هو ارتفاع حدة التوتر في إحدى أكثر المناطق المتفجرة في العالم، مسجد الحرم الشريف، الذي يسميه الإسرائيليون جبل الهيكل، في القدس الشرقية المحتلة، والذي يقدسه اليهود والمسلمون. واشتبك المتظاهرون الفلسطينيون مع القوات الإسرائيلية لعدة أيام. وانضم عباس، الذي يدعو عادة إلى ضبط النفس في السياسة الفلسطينية، إلى الهجمات على إسرائيل، متهما إياها بإيذاء المصلين. وبعد الجدل الذي أثاره جولدستون، لا يمكنه أن يتحمل عواقب اعتباره شخصا ضعيفا وخانعا >

الأكثر قراءة