مناقشات الخريف
شهد هذا الخريف نشاطا دوليا مكثفا في مناقشة القضايا الاقتصادية العالمية. وبطبيعة الحال، تركز الحديث على ما آلت إليه الأزمة المالية (فالاقتصادية) العالمية والخطوات اللاحقة. وتجري هذه المناقشات في ظل وجود قناعات عالمية لدى الأوساط الأكاديمية والبحثية والاستشارية ببدء تعافي الاقتصاد العالمي من ركوده الحالي، لكنه تعاف تحفه عديد من المشكلات والمخاطر، التي كانت محور المناقشات الدولية.
يشير تقرير صندوق النقد الدولي نصف السنوي ''آفاق الاقتصاد العالمي'' WEO الأخير (أكتوبر 2009) إلى أن معدلات النمو الاقتصادي أخذت تتحول من السالب إلى الموجب، مع تدخل الحكومات على نطاق واسع لدعم الطلب والحد من أجواء عدم اليقين والمخاطرة في الأسواق المالية.
ويتوقع تقرير صندوق النقد الدولي أن ينخفض الإنتاج (العالمي) بنسبة 1 في المائة للعام الحالي، وكانت توقعاته قبل شهور تقارب 1.5 في المائة. كما يتوقع الصندوق أن ينمو الاقتصاد العالمي بنسبة في حدود 3 في المائة العام المقبل 2010، مقارنة بتوقع 2.5 في المائة قبل شهور.
لكن ينبغي ألا يفهم أن الأزمة قد انتهت، فالتعافي الذي قادته الصين بطيء وضعيف ويتوقع أن يبقى كذلك في الأجل القريب، مع استمرار ضعف النظم المالية وارتفاع معدلات البطالة واختلال التوازن العالمي. وفوق كل ذلك يبدو جليا أن اقتصادات الدول معرضة لتغيرات هيكلية بعد هذا الركود الاقتصادي العميق. فعلى سبيل المثال، انخفضت كل من التجارة الدولية والإنتاج الصناعي العالمي انخفاضا شديدا، بما يقارب من حيث المتوسط 20 إلى 30 في المائة خلال النصف الأول من هذا العام مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق.
ويرى كثير من المحللين أن على الصين مسؤولية أكبر في تقليص اختلال التوازن العالمي، وهي عبارة يقصد بها بالدرجة الأولى العجز التجاري الهائل للولايات المتحدة فقد شهد العام الماضي 2008 رقما قياسيا في العجوزات الخارجية (كالعجز التجاري)، أسهم في تكبيره ارتفاع أسعار النفط والنمو الصيني الموجه للتصدير. انخفضت أسعار النفط وأسعار المواد الأولية (بصفة عامة) خلال أواخر العام الماضي وبدايات هذا العام، ثم عادت للارتفاع النسبي، ومن المتوقع استمرار ارتفاع الأسعار العام المقبل, ما يعني عودة إلى مستويات أعلى في العجوزات الخارجية.
المفارقة أنه من الصعب على حكومات الدول ذات العجوزات الكبيرة (على رأسها أمريكا) أن تطلب من شعبها زيادة إنفاقهم للمساهمة في خفض البطالة وتعجيل إنهاء الركود. فهذا الإنفاق سيزيد في الأعوام المقبلة حجم الدين العام، وسيعمل على خفض سعر صرف الدولار أكثر فأكثر، وهذه نقطة يستغلها المعارضون لسياسات الرئيس الأمريكي أوباما الاقتصادية للخروج من الركود الحالي. ومعروف أن القيادات السياسية والاقتصادية في الدول الصناعية خاصة تبنت عمليات إنقاذ غير مسبوقة حجما وقوة, فقد ضخت التريليونات من النقود، ما زاد من عمق وقوة عجوزات الميزانية إلى معدلات غير متوقعة قبل الأزمة.
قدم الدعم للقطاع المالي الذي كان مصدر البلاء، وتنوعت أساليب الدعم من ضخ سيولة وضمانات وشراء أصول فاسدة وتجاوز حجم هذا الدعم ربع الإنتاج المحلي الإجمالي العالمي. ولتسهيل تصور حجم هذا الدعم، في أمريكا مثلا، لنتخيل أن السلطات السعودية قدمت للقطاع المالي السعودي نحو 500 مليار ريال بصور وأشكال متعددة من الدعم.
كانت نتائج هذا الدعم وتبعاته موضع نقاش دولي محموم هذا الخريف. فقد اجتمع وزراء المالية ومحافظو البنوك المركزبة لمجموعة الدول العشرين في لندن يومي 4 و5 أيلول (سبتمبر) مقدمة لاجتماع قمة هذه المجموعة. وتناول اجتماع الوزراء والمحافظين موضوع تقييم التقدم في إنجاز ما يسمى الخطة العالمية للإنعاش والإصلاح. كما كان هناك تفاهم ونوع توافق على الخطوط العريضة للأفعال الإضافية المطلوبة للدفع نحو نمو قابل للاستدامة وبناء نظام مالي دولي أقوى. وما يعرف بمجموعة العشرين تتكون من وزراء مالية ومحافطي البنوك المركزية في مجموعة الدول السبع الصناعية الكبرى (كندا, فرنسا, ألمانيا, اليابان, المملكة المتحدة, الولايات المتحدة, وإيطاليا)، ويضاف إليها الاتحاد الأوروبي، و12 دولة أخرى رئيسية، ومن هذه الدول: روسيا, الصين, الهند, أستراليا, البرازيل, إندونيسيا, المكسيك, كوريا الجنوبية, وتركيا. وشاركت المملكة في القمة السابقة ولكنها لم تشارك في القمة الأخيرة. ويشارك في الاجتماعات أيضا منظمات صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ولجنة النقد والمالية الدولية، ولجنة التنمية لكل من صندوق النقد الدولي والبنك الدولي.
وبصفة عامة اتفقت المجموعة على ثلاث نقاط تخص تنظيم المصرفية: على البنوك زيادة رأس المال زيادة كبيرة فور انتهاء الأزمة، وعلى المؤسسات المالية ذات البنية المعقدة أن تطور إرادة البقاء والاستمرار للتخطيط في حالة اضطرار تلك المؤسسات التراجع عن صفقات وأنشطة. والثالثة أن على البنوك الاحتفاظ بقدر من القروض التي تعيد صناعتها. بالإضافة، كانت قضايا كثيرة أخرى محور نقاشات، كحوافز التنفيذيين المصرفيين، وملاءة السيولة ورأس المال في النظام المصرفي، وإعادة صياغة المؤسسات المالية الدولية. كما حظيت استراتيجيات الخروج من الحالة الراهنة بقدر كبير من اهتمام صانعي القرار والمستشارين والمحللين. عمليات التحفيز الهائلة المالية (العامة) والنقدية في دول كثيرة تتطلب خطة لإنهاء التحفيز بأقل ضرر ممكن، وهذا يتطلب تنسيقا دوليا.
وفي قمة الدول العشرين في بتسبرج, أمريكا يومي 24 و25 أيلول (سبتمبر)، ظهر القلق المرتكز على رؤية خطة لسحب أموال هائلة تحفيزية عند الاقتناع بأن الركود في طريقه للانتهاء، قبل أن يدخل العالم في دوامة موجة من التضخم العالي. ولدى البنوك المركزية تصورات لتشديد السياسات النقدية ضمن استراتيجيات الخروج ولكن مشكلة تعارض المصالح تطل: هناك المعارضون لخطط الخروج، فمصالحهم تتعارض مع مصلحة المجتمع عامة.
وكان آخر اجتماع دولي رئيسي هو الاجتماع السنوي الأخير لمحافظي صندوق النقد الدولي والبنك الدولي في إسطنبول في 6 و7 تشرين الأول (أكتوبر)، الذي شارك فيه وزراء المالية ومحافظو البنوك المركزية وكبار المسؤولين الماليين من 186 دولة. وقد دعا البيان الرسمي للاجتماع إلى مواصلة الإصلاحات الاقتصادية وتحديث عمل المؤسسات المالية والمزيد من التعاون الدولي للتعامل مع المشكلات الاقتصادية. وقد طالبت لجنة توجيه السياسة في الصندوق من الصندوق بمعالجة أربعة مجالات إصلاح: صلاحيات الصندوق ودوره المالي والمراقبة المتعددة الطرق والإدارة. وتعهدت المؤسستان الماليتان بتطبيق إصلاحات شاملة ومنح الدول النامية صوتا أقوى، كما تبنت ما انتهت إليه اجتماعات مجموعة العشرين، فيما تصدت الشرطة التركية لاحتجاجات مناهضة لهذه الاجتماعات. ويرى عديدون أن المنظمات المالية الدولية أداة في يد القوى الكبرى. وبالله التوفيق.