العرب إلى أين.. إذا سقطت القدس وفلسطين؟

وأنا أتابع - بكل مرارة وأسف - ما يجري الآن في مدينة القدس وحول الحرم القدسي الشريف.. لاحت لي فكرة كتابة كتاب ثالث عن القضية الفلسطينية، وبدأت بالفعل أضع خطة البحث، ولكني توقفت فجأة، لأن الصورة التي ظهرت أمامي هي أن البحث سيأخذنا إلى مشارف البروتوكول الـ 24 من بروتوكولات حكماء صهيون، وهو آخر البروتوكولات التي ستحقق لإسرائيل قيام إسرائيل الكبرى وحدودها من النيل إلى الفرات.
وكنت في عام 1983 قد كتبت أول كتاب لي عن القضية الفلسطينية بعنوان “الحرب الحضارية بين العرب وإسرائيل”، وتبنيت في الكتاب نظرية التحدي والاستجابة للمؤرخ البريطاني الشهير أرنولد توينبي التي تقول إن إسرائيل جسم غريب لا يلبث أن يلفظه جسم المنطقة الذي يموج بالعرب من المحيط الأطلسي إلى الخليج العربي.
ولذلك كان الشعار الذي يرفعه الفلسطينيون والعرب يومذاك هو (راجعون.. راجعون يا فلسطين)، ولم يتصور أرنولد توينبي أن إسرائيل التي كانت ذا المليون نسمة, والتي زرعت وسط حشد كبير من الدول العربية يربو على الـ 140 مليون نسمة يومذاك قادرة على البقاء لفترة طويلة من الوقت.
ولكن في الواقع كانت إسرائيل صامدة تمارس خططاً طويلة المدى وقصيرة المدى وتحقق مزيدا من النقاط، بينما كان العرب يفقدون كثيرا من النقاط، ويخوضون سلسلة من الحروب أمام إسرائيل في عامي 1956 و1967، ثم أمام إيران في عام 1981، ثم أمام أنفسهم وأمام العالم في الكويت وبعدها في بغداد، وللأسف خسر العرب كل الحروب, ما عدا حرب السادس من أكتوبر1973.
وفي عام 2001 أصدرت كتاباً بعنوان نظرية السياسة السعودية لحل القضية الفلسطينية، استعرضت فيه الدور السعودي منذ 1948 وحتى اليوم، وفي هذا الكتاب ابتعدت كثيراً عن نظرية أرنولد توينبي لأن القضية على الأرض أخذت أبعاداً وأشكالاً لا تبشر بصحة فروض نظرية التحدي والاستجابة، ولقد وظفت عدة نظريات سياسية وعسكرية واقتصادية وديموغرافية، ونحيت جانباً نظرية التحدي والاستجابة لأنها - من وجهة نظري-ـ لم تعد تعبر عن واقع القضية التي وصلت إليه.
فمثلاً من الناحية السياسية, فإن من المفترض أن يكون تأثير العرب (21 دولة) في المنظمات والأروقة الدولية جد كبير، ولكن في الواقع كان تأثير العرب في المنظمات الدولية ضعيفاً للغاية، بل كان مهترئاً وممزقاً ومتناقضاً، حتى المنظمات ذات الصبغة الإنسانية كمنظمة العفو الدولية، فإنها لم تكترث بموقف الدول العربية فكانت تصدر أحكاماً لا تميز فيها بين الضحية والجلاد، والغريب أن منظمة العفو الدولية أصدرت أخيرا حكماً ضد منظمة حماس وحكومة الكيان الصهيوني معاً باستخدامهما سلاحاً محرماً دولياً وحذرتهما من استخدام هذا السلاح في المستقبل، والمشهد العام في المجتمع الدولي يميل بشكل واضح وفاضح لصالح إسرائيل وليس لصالح العرب.
ولذلك فإن تأثير هذه الدويلة التي أصبحت الآن دولة وقعت معها بعض الدول العربية اتفاقيات سلام وأقامت معها علاقات طبيعية أصبح تأثيراً كبيراً في المنظمات الدولية حتى المنظمات التي لم تكن عضوة فيها كوكالة الطاقة الذرية فلإسرائيل نفوذ عليها أكثر من العرب، وهي لذلك مرشحة لأن تكون في القريب دولة عظمى.
أماّ من الناحية العسكرية, فإن إسرائيل تستطيع تجنيد كل سكانها حينما تنزل النازلة، وكل الإسرائيليين جنود مجندة لا فرق بين شاب وكهل ولا بين امرأة ورجل ولا بين طفل ويعسوب، فالكل ينخرط في جيش الدفاع الإسرائيلي، وهذا العدد الذي يربو حالياً على الستة ملايين مجند ومجندة.. يفوق في العدد والعتاد عدد المجندين في كل الجيوش العربية، ناهيك عن السلاح الفتاك الذي يتزود به الجيش الإسرائيلي، وباختصار إن إسرائيل لديها ترسانة سلاح متقدم يفوق كل الأسلحة التي تملكها كل الجيوش العربية مجتمعة.
ومن الناحية الاقتصادية, فإن الناتج الإجمالي السنوي للاقتصاد الإسرائيلي هو الأعلى في المنطقة، ويتجه الاقتصاد الإسرائيلي إلى اقتصاد المعرفة بخطى تتجاوز كل الخطوات الوئيدة التي خطتها الاقتصادات العربية.
أمّا من الناحية الديمغرافية, فإن لدى إسرائيل من الخطط ما سيجهز تماماً على كل الزيادة في معدلات عدد سكان الفلسطينيين، وتعمل إسرائيل الآن على تحييد وتمييع العامل الديموغرافي، حتى لا يكون عاملاً مرجحاً لصالح الفلسطينيين، وهي لذلك الآن تتبنى مشروع الدولة اليهودية.
والمؤسف جداً هو أن الخلافات العربية - العربية طوال مراحل النضال الفلسطيني، ثم الخلافات الفلسطينية الفلسطينية هي العامل المساعد الأول لنجاح كل الخطط الصهيونية.
لقد كنت أنوي -كما أشرت - أن أصدر كتاباً ثالثاً عن القضية الفلسطينية، ولكني تراجعت وصرفت النظر عن إصدار كتاب عن القضية الفلسطينية لأنني أخشى أن يصل البحث الذي كنت آمل أن يكون بحثاً علمياً محايداً إلى آخر بروتوكولات حكماء صهيون، وهو الذي يضع دولة إسرائيل الكبرى على مشارف الوجود الحقيقي، وعندئذ تدخل بعض الدول العربية (وليس فقط فلسطين) ضمن جغرافية دولة إسرائيل الكبرى.
ترى هل كنا على حق حينما اخترنا خيار السلام مع إسرائيل، أم أن خيار السلام كان وما زال في صالح إسرائيل، وهو خيار حجّم القوات العربية المسلحة وأضعفها وفي الوقت نفسه قوى جيش الدفاع الإسرائيلي عشرات المرات مما كان عليه قبيل توقيع اتفاقيات السلام.
أقول إن الرجوع عن خيار السلام أصبح الآن مشروعاً، لأن هذا المشروع ظل ماكثاً على الطاولة لأكثر من 30 عاماً، ومع ذلك لم يتقدم قيد أنملة باتجاه السلام العادل والدائم والكامل، ولهذا فإن استمرار حالة الحرب مع إسرائيل يساعد على وقف إسرائيل عند حدها كما يمكن الجيوش العربية من دعم قدراتها العسكرية, ما يدفع المجتمع الدولي إلى الضغط بقوة باتجاه حل المشكلة وفرض السلام العادل والدائم والكامل على كل الأطراف.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي