«نعم للمساجد».. حملة سويدية لخلق قاعدة لإيواء وقبول الآخر (2)

تحدثنا يوم الجمعة الماضي عن الهوة الكبيرة بين الغرب «المسيحي» والشرق المسلم وكيف أن ردمها من الصعوبة بمكان. وهذه الهوة ليست وليدة اليوم ولكن ازدادت عمقا واتساعا في العقود القليلة الماضية.
وعند دراسة الثقافات البشرية المختلفة علينا مراعاة نقطتين مهمتين على الأقل: الأولى تخص الزمان والأخرى تخص المكان. وهاتان النقطتان مهمتان جدا عند مناقشة الأديان المختلفة والدين الواحد كالإسلام مثلا.
ولنأخذ الهند نموذجا لأهمية الزمان والمكان. الهند بلد كبير، لا بل قارة. والقليل منا يعرف أن المسلمين حكموا معظم الهند لقرون عديدة بيد أن أغلبية السكان (أكثر من 70 في المائة) لا تزال غير مسلمة. وهذا يجرنا إلى مسألة ذات أهمية إنسانية قلما يدركها المسلمون وغيرهم أساسها أن الإسلام يأوي ويتعايش مع غير المسلمين وإن كانوا وثنيين وإلا كيف نفسر قبول المسلم القوي والحاكم برعية أغلبيتها الساحقة غير مسلمة؟
والمسألة الأخرى، التي غالبا ما نغض النظر عنها هي أن نسبة 30 في المائة الباقية من سكان الهند تدين بالإسلام أي 300 مليون أو لنقل 250 مليون مسلم (وضعت الرقمين لعدم دقة الإحصاءات الموجودة). وهذا يجرنا إلى مسألة أكثر أهمية من كل المسائل التي ذكرناها ألا وهي أن الهند هي أكبر بلد إسلامي على وجه الأرض قد يصل عدد المسلمين فيه أو ربما يفوق عدد المسلمين العرب.
وهذا بدوره يجرنا أيضا إلى مسألة مهمة أخرى ألا وهي أن مئات الملايين من المسلمين الهنود يتعايشون مع غير المسلمين من الوثنيين ويقبلون بدور الرعية تحت حماية وحكم أغلبية ساحقة من غير المسلمين. أسوق الهند مثالا لتوضيح بعض المفاهيم العائمة التي ذكرناها في الرسالة السابقة، التي نقع جميعا ضحية لها ومن جملتهم كاتب هذه السطور. وهنا أخص بالذكر المصطلحين: الشرق المسلم والغرب المسيحي. الهند شاهد على أهمية المكان والزمان التي تقول إن التعميم في المكان والزمان مضر للعلاقات البشرية لأن أي ثقافة، والدين جزء من الثقافة، لا يجوز النظر إليها بصيغة المفرد بل بصيغة الجمع. المسلمون لهم ثقافاتهم الإسلامية المختلفة النابعة من المكان والزمان. وعليه علينا دائما أن نحدد ونضع أطرا وليس حدودا بمفهوم الجغرافيا عند الحديث عن الثقافة. وقد يسأل سائل هل ذلك من الإسلام في شيء؟ نعم. الإسلام وقرآنه لهما قصب السبق في استيعاب هذه المفاهيم البشرية المهمة وسآتي إلى ذلك بالتفصيل عند مناقشة الخطاب القرآني. ومفهوم الغرب المسيحي مفهوم عائم غير محدد ومؤطر لأن السويد اليوم تلعب الدور الزماني والمكاني ذاته الذي لعبته الهند في تاريخها رغم كثير من المأسي التي حدثت في تاريخ العلاقات بين المسلمين وغيرهم فالسويد تريد للمسلمين من رعاياها بمختلف ثقافاتهم العزة والرخاء والمكانة ما تريده لشعبها قاطبة دون تميز. وكي تبرهن على أنها لا تميز على أساس الدين والمذهب والعرق والجنس تتبع الحكومة شفافية لا نظير لها في العالم. فوزارة الثقافة تضع شارات جميع الأديان في صفحة الإنترنت الخاصة بأتباع الديانات المختلفة في السويد ولا تميز على الإطلاق من ناحية المذاهب إن كانت مسيحية أو إسلامية أو غيره. فهناك أكثر من 30 مذهبا مسيحيا مختلفا في السويد أسماؤها وعدد أعضائها المسجلين موجودة على شبكة الإنترنت للاطلاع العام، إضافة إلى مقدار المنح المالية المخصصة لكل واحد منها. وهكذا بالنسبة للمذاهب الإسلامية المختلفة ولا سيما السنة والشيعة وكذلك فيما يخص البوذيين والهندوس وآخرين.
أما فيما يخص القانون والدستور فهو فوق الكل، فوق المسيحية كدين وفوق اليهودية والبوذية وكذلك الإسلام. ممارسة الدين مشروعة شريطة ألا تعارض القانون أو تعوق تطبيقه. ومع ذلك يقول القانون إن الأفراد المنتمين للحركات الاجتماعية والفكرية – منها الأديان – جزء مهم من المجتمع السويدي. ولأهميتها تخصص الحكومة مساعدات مالية سخية لتشجيعها القيام بمهامها بما يخدم كل أعضائها. والأديان بمختلف مذاهبها متساوية الحقوق والواجبات ولهذا تقوم الحكومة بشمولها بمنح مالية حالها حال الكنيسة السويدية ذات المذهب البروتستنتي.
وقد أُنشئت هيئة خاصة ضمن وزارة الثقافة تعنى بصورة مباشرة بقضايا الملل والطوائف الدينية في السويد، وقد تصل المنح التي تقدمها لمختلف الطوائف الدينية في بعض السنين أكثر من 100 مليون دولار. وتعمل هذه الهيئة كحلقة وصل بين الطوائف المسجلة لديها والمؤسسات الحكومية الأخرى لتسهيل أمورها وتقديم المساعدات الضرورية عند الطوارئ وتسهيل، قدر المستطاع، عملية بناء أماكن العبادة لكل الملل دون تميز.
ومبدئيا تقدم الهيئة ثلاث منح مالية كي تتمكن هذه الطوائف أو الجمعيات من القيام بأعمالها:
1. إعداد رجال دين أكفاء لتقديم الخدمة والتربية الدينية اللازمة للأعضاء.
2. تقديم منحة خاصة تحددها الحكومة عند إقدام هذه الملل على تقديم خدمات عامة مثل المستشفيات أو المدارس الدينية أو غيرها أو عند إقدامها على إقامة مؤتمرات أو حلقات دراسية.
3. تقديم منح لمشاريع خاصة إن كان هدفها تشجيع الولوج في نشاطات خلاقة والدخول في مجالات التعاون مع آخرين.
ونعد القراء بنشر لقاء خاص أجريناه مع رئس الهيئة بخصوص وضع المسلمين في السويد.. وإلى اللقاء.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي