المزارع والصياد السعودي في جنوب المملكة
هذه رسالة وصلتني على بريدي الإلكتروني من أحد الصيادين على شواطئنا الجنوبية الغربية، حيث يتحدث فيها عن خيار البحر Sea Cucumber، الذي يصفه الصياد ''بثروة تهدر وتدفن تحت التراب بكل سهولة''، فما المشكلة؟ يقول إن هذا النوع من الأسماك صار ممنوعا صيده عندنا في المملكة، بينما ذلك مسموح به في دول أخرى من العالم. وخيار البحر نوع من الأسماك تمتد فترة نموه إلى خمس سنوات وهو ذكر وأنثى وله أكثر من 80 نوعا في البحر الأحمر، بينما في بعض بحار العالم لا يوجد منه حتى نوع واحد. يقول الصياد ''نحن نريد أن يسمحوا لنا بصيد ستة أنواع فقط'' فما المشكلة مرة أخرى؟ يقول إن هناك أمرا بمنع صيده صادرا من وزارة الزراعة، خاصة الثروة السمكية، لأنه كما يقال ينقي البحر من الشوائب ويعمل ''كفلتر''، لذلك فهو غير آمن. يقول الصياد الخبير إن ذلك غير صحيح، فهذا النوع هو من أنواع الأسماك له دوره في الحياة المائية كما للقرش والأسماك والسلاحف والثروة السمكية منه تقدر بملايين الدولارات، وأن القرارات المتعلقة به تفتقر إلى الدراسة الصحيحة والخطة السليمة. يقول ''كما تعرف يوجد صيادون فقراء, وصيد الخيار له مردود مالي ممتاز قد يفوق ألف ريال في اليوم''، لكن إذا تم القبض على الصياد ومعه مثل هذه الحمولة، التي يصل سعرها إلى أكثر من 75 ألف ريال حسب النوع والكمية، فإنها تتلف وتصل الغرامة على السعوديين عشرة آلاف ريال وتحجز المراكب، وإذا تكرر ذلك يباع المركب في المزاد العلني. المؤلم في الأمر أن هناك تجاوزات من الصيادين المصريين واليمينين والرقابة عليهم محدودة في ذلك.
الحقيقة أن الرسالة مليئة بالألم على هذه الثروة التي تباع في العالم بأسعار كبيرة ومصرح بها في دول عالمية مختلفة، منها أستراليا، التي تمنح تصريحا بصيد ذلك النوع من الأسماك. بالطبع كما هو واضح فإن هذا النوع من الأسماك ينتشر في البحر الأحمر, وأن هناك صيدا من جانب الإخوة المصريين واليمنيين، بينما هناك مراقبة صارمة على الصياد السعودي، وهذه قصة ألم أخرى. هناك منافسة كبيرة على الصيد في البحر الأحمر, والصيادون في ذلك لا يتقيدون بالمياه الإقليمية، فمن وجد رزقه رمى شبكه, والأسماك أيضا لا تعترف بالمياه الإقليمية، ومن المؤلم أن تجد ثروة هائلة أمام عينيك بينما يصيدها غيرك, وتعاقب أنت وتحرم منها لتستسلم لفقرك وضياع صناعتك.
إن الأمر يشبه قضية أصحاب السبت، حيث كانت تأتيهم أسماكهم شرعا وقت الحظر عليهم وتذهب عندما يسمح لهم بالعمل، فما كان منهم أمام هذا الابتلاء إلا المعصية والعذاب.
كنت قد كتبت موضوعا عن المنافسة الصعبة التي تواجه المزارعين في المناطق الجنوبية من مملكتنا الحبيبة، فالمزارع السعودي لا يجد حماية من الدولة لإنتاجه، بينما يجد في المقابل أن الحدود مفتوحة على مصراعيها للمنتج اليمني الذي تمكن من جني محصوله في الوقت المناسب. قد يتساءل البعض: لماذا لا يستطيع المزارع السعودي جني محصوله والمنافسة على ذلك؟ نحن نعلم القيود الكبيرة التي تواجه المستثمر السعودي في جانب الأيدي العاملة ومشكلة السعودة، حيث لا يسمح للمُزارع في المزارع الكبيرة إلا بعاملين فقط، بينما المراقبة كبيرة، خاصة على الحدود عند تشغيل العمالة المخالفة لقوانين العمل والسفر السعودية. لذلك يصعب على المُزارع إكمال جني محصوله في الوقت المناسب بتكلفة مناسبة.
المشكلة أن هذه العمالة تأتي من اليمن وهي مدربة على الزراعة في هذه المناطق وهي أيضا رخيصة الأجور نسبيا. التشدد في الإجراءات تسبب في ندرة هذه العمالة المدربة في الجانب السعودي ووفرتها في الجانب الآخر، ما رفع تكلفة العمل لدينا. لذلك اتجهت الاستثمارات إلى الجانب اليمني، فنمت الزراعة هناك بشكل ملحوظ، بينما يواجه المزارع السعودي شبح الفقر وبور المزرعة.
أنا لا أقول أن يتم التخلي عن برنامج السعودة، وأن يتم السماح للعمالة المخالفة أن تعمل في تلك المناطق، لكن لماذا لا يجد المزارع السعودي هناك دعما قويا ومؤثرا ومساعدة حقيقية في الإقراض حتى يمكنه الاستمرار في الإنتاج والمنافسة؟ إذا لم تحل هذه الإشكالية سنجد أننا أمام مشكلة فقر وبطالة، وبالتالي أرض خصبة للأعمال غير المشروعة والتهريب في مقابل مناطق زراعية واسعة قد أصبحت بورا, وتكلفة إعادة استصلاحها ستكون كبيرة وباهظة الثمن. نعم مشروع مدينة جازان الصناعية قد يحل جزئيا مشكلة البطالة هناك، لكن إهمال الزراعة بهذا الشكل وعدم دعم المزارعين أمام هذا التيار من المنافسة سيشكل مشكلة أمنية غذائية, وقد لمسنا جزءا منها مع ارتفاع أسعار الأرز وذهبنا نستثمر في السودان وتركنا جازان.
آمل أن تكون قصة الصياد الجنوبي قد وصلت إلى أصحاب القرار، وسؤاله الكبير عن الثروة التي تهدر وتدفن تحت التراب بكل سهولة، قد وصل أيضا.