رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


إلغاء دعم الوقود الأحفوري

شهدت قمة مجموعة العشرين الأخيرة مقترحاً أمريكياً لإلغاء الدعم المقدم على الوقود الأحفوري. ويشمل الوقود الأحفوري جميع أنواع الوقود المستخرج من باطن الأرض عن طريق التعدين بما في ذلك النفط والغاز الطبيعي والفحم الحجري. وهذه الأنواع من الوقود تشكل معظم الوقود المستهلك في العالم. ويدعم عدد من دول العالم إنتاج واستهلاك أنواع متعددة من الوقود الأحفوري بأساليب وطرق متعددة. ويشمل الدعم تثبيت الأسعار للمستهلكين عند مستويات أقل من أسعار الأسواق الحرة، وتتحمل الحكومات في هذه الحالة تكاليف الدعم المباشرة إما عن طريق خفض إيرادات الدولة من العائدات على إنتاج الوقود الأحفوري أو تحمل الحكومات لبعض تكاليف الاستيراد. وتتلقى الدول المنتجة للوقود الأحفوري عائدات ملكية نظير إنتاج هذا الوقود كما تفرض ضرائب على دخول وإنتاج الشركات من الوقود الأحفوري. وتدعم الدول المنتجة إنتاج الوقود الأحفوري بخفض عائدات الملكية ومستويات الضرائب المفروضة على شركات إنتاج الطاقة الأحفورية. وتتحيز الدول في معاملة الوقود الأحفوري لمصلحة نوع الوقود المتوافر على أراضيها. الدول المنتجة للغاز الطبيعي تعطي إعفاءات ضريبية لإنتاج واستهلاك الغاز الطبيعي، بينما تمنح الدول المنتجة للفحم الحجري معاملات تفضيلية لإنتاج واستهلاك الفحم الحجري الملوث للبيئة. وقد تمنح الدول إعفاءات ضريبية للمنتجين المحليين لرفع مستويات الإنتاج المحلي من الوقود الأحفوري المحلي لرفع قدرته على منافسة المستورد.
ويقدم عدد من دول العالم دعماً لبعض أنواع الوقود لدعم الشرائح السكانية متدنية الدخل. في دول العالم النامي يتم دعم استهلاك حصص الاستهلاك الصغيرة من الكيروسين والغاز الطبيعي لدعم قدرة الفقراء وتمكينهم من شراء ما يحتاجون إليه للطبخ، وهذا يحدث في دول مثل الهند. وتقدم الصين دعماً موسعاً للوقود الأحفوري وينطبق الحال على عدد من دول العالم النامي. وكان مقدار الدعم المقدم لاستهلاك الوقود الأحفوري بصفة عامة كبيراً في السابق ولكنه انخفض مع مرور الوقت نظراً لتكاليفه المرتفعة على الميزانيات الحكومية وأضراره البيئية، ومع ذلك يقدر الدعم المقدم في الوقت الحالي لاستهلاك وإنتاج الوقود الأحفوري بمئات المليارات من الدولارات. وقدمت الدول الغنية وبعض المؤسسات الدولية, خصوصاً البنك الدولي للإنشاء والتعمير, دعماً لإنتاج الغاز الطبيعي في الدول النامية بعد ارتفاع أسعار النفط في منتصف السبعينيات, وذلك من خلال تقديم القروض الميسرة والمساعدات الفنية. ويستخدم عدد كبير من دول العالم الحسومات الضريبية لدعم إنتاج الوقود الأحفوري بما في ذلك الدول الصناعية. وتقدر قيمة الدعم المقدم المباشر أو على هيئة حسومات ضريبية في الولايات المتحدة بما يزيد على 70 مليار دولار في العام.
تدعم إدارة الرئيس الأمريكي بقوة سياسات الحفاظ على البيئة وسياسات تطوير إنتاج الطاقة المتجددة, وستسعى هذه الإدارة إلى استخدام نفوذها لتبني برامج إلغاء سياسات دعم استهلاك وإنتاج الوقود الأحفوري, خصوصاً ضمن مجموعة العشرين. وتستهلك دول مجموعة العشرين معظم الوقود الأحفوري في العالم وتتسبب في انبعاث معظم الكربون في الغلاف الجوي ومن المتوقع أن تحصل إدارة الرئيس الأمريكي على ما تريده نظراً لتكاليف الدعم الباهظة التي تتحملها دول العالم، وكذلك للحد من مستويات استهلاك الوقود الأحفوري الرافع لانبعاثات الكربون. وسينتج عن رفع دعم استهلاك الوقود الأحفوري ارتفاع أسعاره الداخلية ما سيحد من حجم الطلب عليه في هذه الدول. ومن المتوقع أن تسعى الدول الصناعية إلى توجيه الدعم المقدم للوقود الأحفوري إلى مصادر الطاقة المتجددة والطاقة النووية التي بدأت تكتسب زخماً متزايداً في إنتاج الطاقة نظراً لتأثيرها المحايد في انبعاثات الكربون. ويقدر الداعمون لإلغاء الدعم على الوقود الأحفوري أن إلغاءه سيؤدي إلى خفض انبعاثات الكربون بنحو 12 في المائة بحلول عام 2050. وخفض انبعاث الكربون بهذه النسبة يعد في حد ذاته سبباً كافياً لإلغاء دعم الوقود الأحفوري من وجهة نظر أنصار البيئة.
وتقدم المملكة دعماً قوياً وعميقاً لاستهلاك الوقود الأحفوري, حيث تثبت أسعار الوقود الأحفوري المتوافر في المملكة والمتمثل في المنتجات النفطية والغاز الطبيعي, عند أسعار متدنية لا تعادل ربما تكاليف الإنتاج والتسويق، بل يتم دعم المنتجات النفطية المستوردة لتغطية العجز في الإنتاج المحلي ما يمثل استنزافا واضحاً لموارد الدولة. وشجعت الأسعار المتدنية للمنتجات النفطية على ارتفاع مستويات الاستهلاك المحلي من الطاقة الأحفورية. وبلغ معدل نمو الاستهلاك المحلي السنوي من النفط والغاز الطبيعي نسبة 9 في المائة خلال عامي 2007 و2008. وتجاوز معدل الاستهلاك المحلي اليومي من المنتجات النفطية والغاز الطبيعي ثلاثة ملايين برميل نفط مكافئ عام 2008، أي أن نحو كل ثمانية أفراد من السكان يستهلكون برميل نفط مكافئا يوميا. وتتفوق المملكة على بقية الدول الداعمة لاستهلاك الوقود الأحفوري في عمق الدعم, حيث تنخفض الأسعار إلى مستويات متدنية, ما يعد عاملاً قويا من عوامل إهدار الموارد.
ونظراً لانتساب المملكة إلى مجموعة العشرين فهي باعتراف العالم دولة مهمة ورائدة ورئيسية من القوى الاقتصادية في العالم, وهذا شرف وتقدير للمملكة، ولكنه في الوقت نفسه يحملها مسؤوليات إضافية بما في ذلك لعب دور مميز في دعم نمو الاقتصاد العالمي وفي الحفاظ على البيئة. وتشكل ظاهرة الانحباس الحراري الناتج من استهلاك الوقود الأحفوري إحدى أبرز القضايا البيئية التي تواجه البشرية منذ نشأتها. حيث تعد هذه الظاهرة مصدر تهديد لكثير من دول العالم, خصوصاً الدول والمناطق السكانية المطلة على البحار والمهددة بالغرق. ويقدر البعض أن ظاهرة الانحباس الحراري ستؤدي إلى ذوبان نسبة كبيرة من الثلوج في القطبين الشمالي والجنوبي, ما قد يرفع مستويات البحار حول العالم بخمسة أمتار خلال 40 أو 50 عاماً المقبلة, وسيؤدي هذا إلى اختفاء عدد كبير من جزر العالم, بل ربما يختفي بعض الدول المكونة من جزر مثل جزر المالديف وبعض الدول الصغيرة المنتشرة في المحيطات. وستغرق إضافة إلى ذلك مناطق ساحلية كبيرة في عدد من دول العالم مثل أجزاء كبيرة من دلتا النيل ومناطق شاسعة من بنجلادش. وستتأثر المناطق الساحلية في المملكة, ولكن لا توجد تقديرات بأحجام التأثيرات السلبية في المناطق الساحلية. ولا يقتصر تأثير الانحباس الحراري على رفع منسوب مياه البحار, بل هناك عديد من الآثار السلبية الأخرى في البيئة.
وستتعرض المملكة لضغوط متزايدة من باقي دول العالم, خصوصاً داخل مجموعة العشرين لخفض مستويات دعم الوقود الأحفوري أسوةً بباقي دول العالم. وإذا عارضنا خفض مستويات الدعم فستبدو المملكة وكأنها تسهم في إغراق المناطق الساحلية حول العالم فهل ستتحمل المملكة هذه المسؤولية؟ لقد اتبعت المملكة عبر تاريخها الطويل سياسة تتسم بالعقلانية وتحمل المسؤولية تجاه القضايا العالمية، ولم تتخذ خلال تاريخها أي قرار يقف ضد مصالح الإنسانية. ولهذا فمن المؤكد أن المملكة ستقف مع الإجماع الدولي على خفض الانبعاثات الكربونية، وستتبنى ما يلزم لخفض مستويات الانبعاثات الكربونية بما في ذلك خفض الدعم المقدم لاستهلاك منتجات الطاقة الأحفورية. ولهذا فإن علينا من الآن وضع ملامح السياسات التي تخفض من الدعم المقدم لاستهلاك المنتجات النفطية والغاز الطبيعي، كما أن علينا الاستثمار والسعي إلى تطوير استخدام وإنتاج الطاقة البديلة لكي نسهم مع بقية دول العالم في الحد من الآثار المدمرة لظاهرة الانحباس الحراري.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي