مريضة جدا

مريضة جدا

لا يوصي المفاوضون المحترفون بتوجيه تهديدات فارغة. ولكن يبدو أحيانا أن هذا كل ما تبقى للحكومات والمنظمين لتهديد الصناعة المصرفية. فالأسواق المالية تعتقد أنه سيتم إنقاذ البنوك مرة أخرى، بغض النظر عن لهجة التخويف في الخطاب السياسي. وهذا بدوره يعني أن البنوك قادرة على الاقتراض بسعر رخيص بصورة غير عادية، ما يمنحها حافزا لزيادة ديونها ومجازفتها إلى أقصى حد مرة أخرى. وإلى جانب المالية العامة المدمرة ونسبة البطالة المرتفعة، تعد المخاطر المعنوية الإرث الأكثر سمية للأزمة الائتمانية.
وهناك إجماع تام تقريبا على دعم إحدى مجموعتي العلاج جعل البنوك أكثر أمنا من خلال دعامات رأسمال أكبر وإشراف أكثر تطفلا. إلا أن هؤلاء الذين يشعرون بالقلق من فعالية التنظيم سعداء بتحول النقاش إلى مسار آخر - إضفاء المصداقية على التهديد بأنه في المرة المقبلة سيتم السماح للبنوك بالفشل. ومن هنا جاءت الفكرة الجديدة المتمثلة في ''وصايا الأحياء''، أو ''هيئات الموت'' المالية، التي ستجبر البنوك والمنظمين على تنظيم أنفسهم، بحيث يصبح من الأسهل تفكيك الشركات المهمة للنظام خلال الأزمات. ومن المفترض أن يقلل هذا تكلفة حالات فشل البنوك على دافعي الضرائب. وإذا كان المستثمرون يخشون من خسارة المال غدا، قد يعاقبون البنوك التي تتم إدارتها بصورة سيئة اليوم. وستجعل القوانين المقترحة من الممكن القضاء على أي شركة مالية بطريقة ''تفرض خسائر على مساهمي الشركات''، كما وعد تيم جيثنر، وزير المالية الأمريكي، الكونجرس الشهر الماضي.
ويبدو هذا جيدا. ولكن لكي يكون لوصايا الأحياء هذا التأثير، يجب أن تتجاوز نطاق التخطيط للطوارئ لتشمل التقسيم الجزئي لميزانيات البنوك. ومن غير الواضح على الإطلاق فيما إذا كان هذا ما كان يعنيه قادة مجموعة العشرين حين أيدوا الفكرة الشهر الماضي.
ولا شك أن وصايا الأحياء قد تساعد على معالجة الفوضى الكبيرة المحيطة بالبنوك المحتضرة. ففي أمريكا، تملك مؤسسة تأمين الودائع الفيدرالية صلاحيات لإغلاق بعض البنوك، إلا أن صلاحياتها لا تشمل أكبر بنوك أمريكا، ولا الشركات الضخمة غير المصرفية مثل المجموعة الأمريكية الدولية، وهي شركة تأمين. وفي Lehman Brothers كان هناك 2985 كيانا قانونيا، وفي حالة الهلع قبل انهيارها أصبح من الواضح تماما أن لا أحد يفهم علاقاتها المقابلة مع بقية وول ستريت. ولا يزال لدى العملاء والدائنين أموال عالقة في الشركة الفاشلة في الوقت الذي يجمع فيه الإداريون في مختلف الدول عظامها. وإذا أجبرت وصايا الأحياء البنوك على التبسيط، وبالتالي السماح للمستثمرين والإداريين فهم آليات عملها بسرعة، قد تكون حالات الفشل أقل فوضوية.
إلا أن التصور بأن وصايا الأحياء قد تحل المخاطر المعنوية يمثل قفزة هائلة. فتحسين آليات الإعدام لا يجعل قرار قتل الشركة الكبيرة أسهل. فإذا كان لديها بنوك أخرى كدائنين وأطراف مقابلة، فإن فشلها - سواء كان مسيطرا عليه أم لا - سيضر بقدرتها على إيفاء ديونها وبسيولتها. وربما تملك مؤسسة تأمين الودائع الفيدرالية صلاحيات خاصة، ولكنها لم تسمح سوى بعملية تفكيك كبيرة واحدة خلال الأزمة، لشركة Washington Mutual. وتم نقل ودائعها إلى JPMorgan Chase والتخلي عن دائنيها. ومع ذلك، كان لدى الشركة 2 في المائة فقط من أصول النظام ولم يتم السماح بفشلها، إلا حين اتضح أنه من المرجح أن يتم تنفيذ عملية إنقاذ شاملة لوول ستريت.
وفي الواقع، فإن فكرة ''الفشل المنظم'' برمتها خيالية بعض الشيء. فإذا حاولت ''هيئة الموت'' تفكيك أحد البنوك، من شأن ذلك أن يثير، ولا يمنع، الهلع بين الأطراف المقابلة والدائنين. وقد قالت Sheila Bair، رئيسة مؤسسة تأمين الودائع الفيدرالية، أن على المنظمين أن يكونوا بمثابة جسر أثناء تفكيك الشركات. إلا أن الأزمة أظهرت أن المنظمين لا يستطيعون إلا تقديم شيكات على بياض أو عدم تقديم شيكات على الإطلاق لأكبر الشركات. فقد امتصت المجموعة الأمريكية والدولية وبنك Dexia البلجيكي 100 مليار دولار من ''السيولة المؤقتة'' بينهما.

الأسوار التطويقية والبيض المقلي
الحل المنطقي لهذه المشاكل هو السياج الحمائي أو تحديد استخدامات الأموال. فإذا تمت إدارة البنوك باعتبارها اتحادات من وحدات قائمة بحد ذاتها، سيكون من الأسهل الانقضاض عليها وإنقاذ بعض الأجزاء والسماح لأجزاء أخرى بالموت. ولكن لكي تكون وحدة ما آمنة، يجب ألا يكون لديها رأس مال خاص بها فحسب، بل أموال خاصة بها والحد الأدنى من التعرض للأطراف المقابلة من الأجزاء الأخرى من المجموعة. وتكره معظم البنوك فكرة فصل البيض. وتستخدم عديد منها مكاتب فرعية في الخارج، بدلا من شركات فرعية كاملة لها ميزانيات خاصة بها. وتدين هياكلها القانونية البيزنطية للتاريخ والتخطيط الضريبي بقدر ما تدين للسلامة والكفاءة.
والطريق الأسهل هو إجبار البنوك على تنظيم نفسها إلى فروع وطنية قائمة بحد ذاتها، ووضع قواعد محلية على رأس المال، وقيود على الإقراض للأجزاء الأخرى من المجموعة. وإذا كانت هذه القواعد صارمة للغاية قد تأتي بنتائج عكسية، ما يصعّب على الشركات التجارة مع العملاء الأجانب ويستنزف السيولة التي توفرها البنوك الغربية للفروع الأجنبية الفقيرة بالودائع في مناطق مثل شرق أوروبا. وقد تكون هناك نتائج ضارة أيضا. ويقول أحد البنوك السويسرية إنه يستخدم الودائع الدولية الفائضة للإقراض إلى العملاء السويسريين. وقد يجعل السياج الحمائي وحدته الداخلية أكثر خطورة. ولكن يمكن تحقيق نوع من التوازن: بنك HSBC منظم ولديه فروع قطرية لديها سياج حمائي على المال. والمشكلة هي أن الفروع الوطنية لا تتطابق تماما مع أجزاء البنك التي يريد معظم الناس إنقاذها: قسم أخذ الودائع. وسيشعر دافعو الضرائب البريطانيين بالغضب لو اضطروا لإنقاذ قسم بريطاني من بنك باركليز الاستثماري. ووصية الأحياء لبنك باركليز ستسمح للمنظمين بإنقاذ وحدة أخذ الودائع، في حين تسمح لـ Barclays Capital بالفشل.
ويشبه وضع سياج حمائي للودائع تحسبا لفشل البنك إعادة فرض Glass-Steagall، القانون الأمريكي لعام 1933 الذي فصل الخدمات المصرفية التجارية عن الاستثمارية وتم إلغاؤه عام 1999. ولكن لكي تصبح وصايا الأحياء أداة جدية للحد من تعرض دافعي الضرائب ومن المخاطر المعنوية، يجب أن تشمل قرارات تتعلق بأجزاء البنوك التي تستحق الضمان وإنشاء هياكل لحمايتها. وليس هناك جدوى من كتابة وصية تتجنب مسألة من الأشياء التي سيتم الإبقاء عليها ومن سيحصل عليها >

الأكثر قراءة