صراع عمالقة المنطقة.. إيران وإسرائيل
تشهد المنطقة تحولات جيوسياسية مهمة لعل أهم أشكالها هو ذلك الصراع المحتدم ظاهريا وضمنيا بين إيران وإسرائيل للسيطرة على المنطقة وخاصة العربية. النزاع العربي - الإسرائيلي ومن خلال تقلص أهميته التي طالما تضيع وتُضيع بين إشكالية توازن الدولة القطرية والأمة سواء كانت عربية أو إسلامية وهنا يأتي التقاطع مع إيران. بينما إسرائيل متمكنة داخليا وخارجيا وواضحة الخصام مع العرب تأتي إيران بتحد من نوع آخر: مزيج تغلب عليه حالة من الصحوة القومية مع توظيف فريد للدين. الدولة القوية الأخرى في المنطقة تركيا تبقى مترددة حاضرة غائبة. فهي قومية البنيان وإسلامية الهوى ترغب في أوروبا وتحاول التكيف مع الشرق محاولة التمصلح قدر الإمكان ولابتعاد عن التعقيدات قدر الإمكان. يبقى العرب الوجبة الدسمة في ظل هذه التجاذبات الجيوسياسية. مرحليا على الأقل وجدت إيران المعادلة الصحيحة في التعامل مع العرب: فيها تزاحم قوميا وتغلبهم على المجاهرة بالصراع مع إسرائيل. لتأكيد هذه الجزئية في الصورة احتاجت إيران إلى فرصة مادية لإثبات ذلك وأتى احتلال إسرائيل لجنوب لبنان ومقاومة حزب الله في لبنان كفرصة ذهبية حينما أثبت الحزب شجاعة وتماسكا في وجه الآلة التي طالما تخيف العرب. ولكن جوهر الاهتمام والاستراتيجية الإيرانية هو ذلك الطموح القومي الذي مصدره الافتخار والتاريخ الذي ذكره الرئيس أحمدي نجاد حينما قال إن تاريخ إيران يعود إلى 7000 سنة فيها 3000 سنة مكتوبة (لاحظ الاهتمام بالحقبة الفارسية قبل الإسلامية). يقابل ذلك تفرد إسرائيل بالرغبة المنظمة في التمدد في الأراضي الفلسطينية تدريجيا وعدم رغبة العرب في المغامرات بالحرب من أجل الفلسطينيين ولكن التداخل القطري مع الأعم عربيا وإسلاميا يبقى عاملا ضاغطا ومؤثرا لسنوات طويلة حيث تحظى القدس بأهمية خاصة في هذه المعادلة. الحالة العربية ممزقة بين مأزق مصر التنموي الحضاري كأقوى دولة عربية والتناحر الداخلي بين الدول العربية الذي يصل أحيانا إلى حالة من التشفي. هناك حالة حادة من الاستقطاب في تفكير النخب بين حب البقاء وعجز عن تحقيق برامج تنموية مقنعة مما يزيد عمق الإشكالية ويشجع إيران وإسرائيل وتركيا على ملء الفراغ. العامل المؤثر آنيا هو رفع إيران درجة التحدي بالرغبة الواضحة للاستحواذ على القدرة الذرية العسكرية. خطأ أمريكا خاصة والدول العربية عامة في إدارة حروب العراق وأفغانستان أعطى إيران أو هكذا اعتقدت نخبتها الحاكمة فرصة تاريخية، وصلت إيران إلى حالة من المراهنة الكبرى على تراجع الغرب أو إسرائيل. حسمت إيران أمرها فهي اختارت الميدان الجيوسياسي على حساب التنموي. هذا أثار حفيظة إسرائيل والغرب ورفع درجة الحساسية والمخاطرة في المنطقة.
ولدت إسرائيل ناجحة تنمويا واستراتيجيا بسبب اعتبارات الدور الغربي المباشر واختارت إيران دخول نادي الكبار عن طريق الاندفاع الجيوستراتيجي واختارت تركيا التقدم عن طريق التنمية المنظمة بينما لم يحدد العرب أي اختيار. فيما اختيار إيران للفضاء الجيوسياسي بدأ يصطدم بالجيران سواء في الدول العربية أو حتى تركيا وباكستان. استمالة بعض الأطراف العربية هو إحدى الأدوات لدى إيران لشراء مزيد من الوقت – ذلك العامل الحاسم في المراهنات الجيوسياسية ولذلك لم يعد هناك وقت طويل لحسم هذا الاختيار أو تلك المراهنة.