رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


المحتالون لا هوية لهم

«هناك فرق بين المجرمين والمحتالين.
المحتالون يسرقون، لكن المجرمين يقتلون. أنا محتال»
أشهر لصوص بريطانيا روني بيجس

قال البعض: إنها مؤامرة إسرائيلية! وقال آخرون: إن أجهزة المخابرات الإسرائيلية «طبختها»!، ولا يمكن لهذا «التقي الأمين»، أن يكون محتالا ويسرق أموال الأثرياء، فما بالك بأموال «الغلابة». وقالوا أيضا: إنه سيعيد الأموال إلى أصحابها، لأنه يتحلى بأخلاقيات عالية، تردعه عن عدم الإيفاء بالتزاماته، ولاسيما لأولئك الذين خسروا «تحويشة العمر»، أو الذين تركوا لديه أموالهم «البيضاء»، لأيامهم «السوداء». فرجل الأعمال اللبناني صلاح عز الدين، ليس من اللصوص ولا من المحتالين، إنه من أولئك الكرماء المدركين لحقيقة الأوضاع المعيشية للمودعين لديهم، ويعرفون أن دولارا ناقصا منها، سيؤدي إلى إرباك معيشي لهؤلاء المودعين، فكيف الحال إذا ما حسب النقص بالآلاف والملايين؟!. هذا ما يقوله المدافعون عن عز الدين، الذي ألقي القبض عليه من قبل السلطات اللبنانية، بينما يتحدث القريبون من هذه القضية، عن مسؤولية رجل الأعمال هذا في ضياع مابين 400 و500 مليون دولار أمريكي، هي عبارة عن أموال لمودعين أفراد في الأساس، تعيش غالبيتهم العظمى في المناطق الجنوبية من لبنان. بعضهم قدم خمسة آلاف دولار لـ «الاستثمار»، وآخرون قدموا أكثر من ذلك للغرض نفسه.
وإذا كان هناك من يدافع عن عز الدين، هناك أيضا من يرى أن الناس كانوا يسلمونه أموالهم، لا لسمعته «الطيبة»، بل لأنه يرتدي عباءة حزب الله، الذي وجد نفسه في خضم أزمة - لم يحسب لها - عندما وقع رجل الأعمال في أيدي السلطات اللبنانية، بعدما عجز عن تسديد جزء من التزاماته المالية للمودعين، وأصدر مجموعة من الشيكات بدون رصيد. وعلى الرغم من ارتباط حزب الله بهذه القضية - بصورة أو بأخرى - إلا أنها في النهاية ، قضية كلاسيكية. أي أنها ليست فريدة من نوعها، وحدثت وتحدث في كل البلدان. بل أصبح هذا النوع من القضايا - بفعل الأزمة الاقتصادية العالمية - جزءا لا يتجزأ من المشهد الاقتصادي والاجتماعي على الساحة العالمية ككل. ولعل هذه إحدى الزوايا الإيجابية للأزمة، التي أتت بالفضيحة تلو الأخرى، وسمت المحتالين بأسمائهم، وقدمت بعضهم للمحاكم، ولا حقت البعض الآخر، ودفعت آخرين للتواري عن الأنظار، باحثين عن ملاجئ آمنة لأطول فترة ممكنة. ولأنها عالمية، فسرعان ما وُصف عز الدين بـ «مادوف لبنان»، نسبة للمحتال الأمريكي العالمي الأكبر برنارد مادوف، الذي اختلس قرابة 65 مليار دولار أمريكي على مدى عقدين من الزمن، لم يستثن حتى أموال الجمعيات الخيرية والمدارس والجامعات!. مادوف الأصلي نفسه، سمي بـ «تشارلز بونزي» الأمريكي - الإيطالي الذي ابتكر في عشرينيات القرن الماضي، استثمارا احتياليا يقوم على دفع أرباح للمودعين السابقين، من أموال مودعين جدد، دون أن يستثمر دولارا واحدا في السوق!.
في العالم العربي، أضاف المحتالون بعدا آخر لعملياتهم القبيحة، عندما استطاعوا أن يجندوا شخصيات عامة مرموقة وتحظى باحترام الرأي العام، بل جندوا حتى رجال دين، في تسويق مباشر وغير مباشر لعملياتهم «البونزية»، حيث وفر هؤلاء غطاء طاهرا لهذه العمليات. ففي ثمانينيات القرن الماضي، فاضت مصر بـ «شركات» توظيف الأموال، التي سوَقها بعض رجال الدين. وكذلك الأمر في سوريا والجزائر والأردن. ماذا كانت النتيجة؟ الحكومات في هذه الدول - ولاسيما مصر - دفعت بعد سنوات من وقوع المصيبة، الحد الأدنى من أموال المودعين، بعدما ما نجح غالبية أصحاب شركات التوظيف في الفرار من البلاد. وعلى نفس وتيرة القصة «البونزية - المادوفية»، لم يترك هؤلاء شيئا يذكر للتعويض (بونزي ترك 60 دولارا من أصل ثمانية ملايين دولار، ومادوف خلف نحو 400 مليون دولار من أصل 65 مليار!!). ومن المفارقات أن شريحة متعاظمة من الناس في العالم العربي، لم تتعظ من فضائح المحتالين، بما في ذلك أولئك الذين ظهروا على الساحة بفعل الأزمة الاقتصادية. وعلى الرغم من حملات التوعية التي تقوم بها الحكومات - بل والتحذيرات - إلا أن حراك عمليات توظيف الأموال، لم يتوقف بصورة تامة. وإذا كان المحتالون - قبل الأزمة - يظهرون مع قصة جميلة وطفرة، فهم يظهرون بعدها مع جشع كبير وحاجة أكبر!، مع بقاء الأدوات الاحتيالية على حالها.
نعرف أن حزب الله يحاول بكل ما لديه من وسائل احتواء قضية صلاح عز الدين. بما في ذلك قيام قيادة الحزب بإصدار أوامرها إلى المؤسسات التي تلقت تبرعات من عز الدين، بعدم إنفاق ما تبقى من هذه التبرعات، من أجل تعويض المودعين المساكين الذين فقدوا مدخراتهم، أو من أجل دفع الحد الأدنى لهم على الأقل، خصوصا أن هناك شرائح كبيرة من ضحايا عز الدين تعيش على الأرباح الشهرية لأموالها، أي لا يوجد مصدر دخل آخر لها. إنها خطوة جيدة، لكنها لا تلغي في النهاية الحالة الاحتيالية التي وقع فيها هؤلاء الناس. صحيح أن الاستثمار خاضع لمعايير الربح والخسارة، ولكن الصحيح أيضا، أن الاستثمار يتحول إلى مقامرة، عندما يتغير الهدف من عمل استثماري إلى تعويض للخسائر. فعند سؤال عز الدين عن أسباب المغامرة بأموال المودعين بعد أن تعرض لخسائر قدرها هو بـ 80 مليون دولار أمريكي في عامي 2007 و2008، رد قائلا:» كنت أحاول الحصول على المزيد من الأموال للقيام بمشاريع جديدة لتعويض الخسارة»!. لا مفارقة هنا. فعندما وجه قاضي التحقيق الأمريكي السؤال نفسه لبرنارد مادوف، رد هذا الأخير، بأنه كان يحاول تعويض الخسارة، عن طريق الحصول على مزيد من الأموال. وهذا الجواب هو نفسه تقريبا الذي قدمه تشارلز بونزي للمحقق، قبل ثمانين سنة. وهكذا.. فإن الآليات واحدة، والسلوكيات واحدة، والأخلاق واحدة في كل الحالات الاحتيالية، هذا إن وجدت الأخلاق أصلا.
لا دخل لإسرائيل - ولا غالبية دول العالم - في عمليات الاحتيال الفردية. بل على العكس، تسعى إسرائيل إلى تغذية الاحتيال والفساد في المنطقة العربية - إن استطاعت - لأن ذلك يوفر لها حماية غير مباشرة. فـ «معزوفة» أن إسرائيل هي وراء كل شيء سيئ على الساحة العربية، لم تعد مسموعة، بل أصبحت مضحكة، مع التأكيد بأنها لا تريد الخير للعالم العربي. وصلاح عز الدين نفسه اعترف بأن خسائره جاءت نتيجة للوضعية المتقلبة لأسعار النفط في الأسواق العالمية، وهشاشة قطاع العقارات العالمية والإقليمية، وغيرها من الأعمال التي لم تحقق النجاح. وبالتأكيد ليس لإسرائيل القدرة على التلاعب بأسعار النفط أو العقارات إقليميا وعالميا. واعترف الرجل بأن استثماراته اللبنانية وحدها تصل قيمتها إلى 280 مليون دولار، وأنه لا يعرف الحجم الحقيقي لاستثماراته الخارجية!.
إذن.. القضية مرة أخرى كلاسيكية. منتشرة في كل الأرجاء. من المضحك تسييسها أو قولبتها ضمن نطاق «تآمر دول»، أو وضعها في إطار مخططات حكومات تقوم بأعمال خبيثة. والذي يتابع قضية مادوف الأصلي - لا اللبناني - يعرف أن هذا الأخير سرق أموال جمعيات ومؤسسات يهودية أمريكية، وأخرى إسرائيلية صرفة. منذ تشارلز بونزي - وحتى اليوم - أثبت المحتالون بأن لا هوية لهم. فهم أكثر «الناس» استغلالا لحاجة البشر، خصوصا أولئك الباحثين عن دولار إضافي لمواجهة متطلبات الحياة. وإذا كان أمام ضحايا مادوف الأصلي، وغيره في الدول الغربية، إمكانية اللجوء إلى العون الحكومي الفوري لمواصلة الحياة بكرامة، فليس أمام ضحايا «المادوفيين» في العالم العربي ما يوفر كرامة الحياة. وضحايا «مادوف لبنان» القابعون في منازلهم الريفية البسيطة في الجنوب اللبناني، ينظرون إلى قصره المعلوم الشامخ الذي أتخمه بكل شيء، حتى بطيور الفلامنجو!!.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي