هل هذا الوقت مختلف؟
من أكثر العبارات التي جلبتها الأزمة المالية العالمية العبارة ذات الكلمات الثلاث ''هذا الوقت مختلف'' this time is different. هذه العبارة شاعت بكثرة على ألسنة كتاب ومتحدثين كثيرين في مختلف الدول، ويقصدون بذلك أن الظروف التي نشأت وتطورت فيها الأزمة مختلفة، لم تشهد من قبل، وكان ذلك من أسباب مباغتتها للعالم. وفي نطاق هذا الفهم، تعرض علم الاقتصاد, والاقتصاد الكلي خصوصا إلى انتقادات علمية عنيفة إثر الأزمة المالية العالمية، بأن أدوات البحث فيه ونظرياته قاصرة قصورا كبيرا عن فهم هذه التطورات الجديدة.
هل وقتنا هذا مختلف حقيقة؟
كان هذا التساؤل محل بحث أستاذين بارزين للاقتصاد: كارمن رينهارت (امرأة) من جامعة ميرلاند وكينيث روجوف من جامعة هارفارد. خلاصة الكتاب الذي جاء في قرابة 500 صفحة، وصدر مع نهاية أيلول (سبتمبر) الماضي أن ''الإفراط في الاستدانة سواء من الحكومة أو من القطاع الخاص يجلب مخاطر أقوى مما يظن خلال فترات الازدهار الاقتصادي''. وفي مقالتي بعنوان ''هل انتهى الركود الاقتصادي؟ سياق تاريخي'' المنشورة في 7 أيلول (سبتمبر) 2009، أشرت إلى أن الازدهار يجلب نهايته بنفسه، لأنه يحفز سلوكيات تعمل على تقويض التوسع، وبالأخص يجلب التوسع ضغوطا تضخمية تصنع آثارا وسلوكيات تنهي التوسع. وقد رأينا في الأزمة المالية العالمية كيف أن النمو الاقتصادي العالمي أنتج إفراطا في السلوك المالي وضع بذور الركود.
أصل الكتاب بحث منشور في ربيع 2008، أي قبل عام ونصف تقريبا، في 124 صفحة، وتتوافر نسخة إلكترونية متاحة للتنزيل من العنوان التالي:
http://www.economics.harvard.edu/files/faculty/51_This_Time_Is_Different...
يستند الباحثان إلى قصور البحث الاقتصادي القائم على قراءة تاريخية قصيرة المدى، حيث جرت العادة في الدراسات التطبيقية للأزمات المالية على البدء بعام 1980. فماذا عمل الباحثان؟
قاما يعرض تحليل استعراضي لتاريخ الأزمات المالية منذ القرن الرابع عشر الميلادي، ابتداء من تخلف إنجلترا عن السداد في ذلك القرن، أي قبل نحو 800 عام، وانتهاء بأزمة الرهن العقاري في أمريكا والأزمة المالية العالمية في هذا القرن الحادي والعشرين.
قامت الدراسة على محاولة بناء تشكيلة جديدة من البيانات تغطي 66 دولة موزعة على كل المناطق الرئيسة في الكرة الأرضية. ومما تشمله هذه التشكيلة بيانات الدين المحلي والخارجي والناتج المحلي الإجمالي والتجارة والتضخم ومعدلات سعر الصرف والفائدة وأسعار السلع الأولية.
وقامت الدراسة على إدخال و/أو إدماج عدد من الأحداث والتجارب التي يقل جدا تناولها في الكتابات الاقتصادية، ومن ذلك، التخلف عن السداد وإعادة البناء في الهند والصين. وقد وجد المؤلفان أن سلسلة الامتناع عن السداد نمط أو ممارسة عالمية حيث تجاهد دول لتحويل نفسها من اقتصادات فقيرة أو صاعدة إلى اقتصادات متطورة. وهذا السلسلة من الأحداث تفصل بين كل منها أحيانا عقود من الزمن, ما يوهم عند النظر إلى كل أزمة بأن وقتها مختلف. وتبعا لذلك انتشرت مقولات من قبيل أن هذا الوقت مختلف، وأن الإفراط في الدين المحلي من خصائص البيئة المالية الحديثة.
ويبين الرسم نسبة الدول التي امتنعت عن السداد أو طلبت إعادة بناء دينها، خلال الفترة منذ عام 1800 ميلادية.
بين عمل الباحثين أن الأزمات المالية عبر القرون تبدأ من المراكز المالية، وتنتقل إلى الآخرين من خلال صدمات معدلات الفائدة وانهيارات أسعار السلع الأولية. ومن ثم فمن الصعب جدا قبول القول بأن أزمة الرهن العقاري الأمريكية فريدة.وقد ظهرت عدة دروس، ربما كان أهمها:
أولا أن التفاصيل تختلف بين أزمة وأخرى، لكن الصورة العامة لا تتغير: دورات من الثقة والهلع في عالم الاستدانة.
وثانيا أن المشكلات المصاحبة للدين العام أقوى مما يتوهم كثيرون.
وثالثا أن السيئات تتوالى سواء في حالة الانتعاش أو حالة الانكماش. يجلب الازدهار الاقتصادي معه التضخم وارتفاع أسعار الأصول وازدياد دخل الحكومة ومعه يسهل على الحكومة الاقتراض. وفي حال الانكماش فإنا نشهد تراجع الأسعار وانخفاض العملات وهروب رؤوس الأموال وزيادة عجز الميزانية. وبالله التوفيق.