ما بين الشرق المسلم والغرب «المسيحي» هوة ردمها بعيد المنال

قلما استطاع عالم من الشرق العربي الإسلامي إحداث تأثير في مفاهيم الغرب «المسيحي» تجاه الإسلام مثل المغفور له إدورد سعيد. سيظل العرب المسلمون يفتقدون هذا الفيلسوف الكبير لسنين طويلة لأنه برهن في كتاباته أن الغرب «المسيحي» لا يرى الشرق المسلم إلا من خلال منظار الاستعلاء والتفوق وكون المسلمين أناس لا يستحقون قيادة أنفسهم بل يجب قيادتهم.
وكتابه «الاستشراق» يظهر الغرب «المسيحي» على علاته رغم الحداثة والمدنية والعلمانية التي يدعي الانتماء إليها. هذا الغرب، يوضح لنا إدورد سعيد، لم يتخلص من كثير من مفاهيمه تجاه الشرق وما زال يعتقد أنه هو الذي يملك الحكمة والرصانة وسلامة التفكير والإدراك. وعليه يجب على الغرب «المسيحي» أن يعمل ما بوسعه لاحتلال واحتواء الشرق المسلم إن كان عسكريا أو اقتصاديا أو أيديولوجيا أو إعلاميا أو لغويا. الشرق المسلم متخلف من ناحية الحكمة وسلامة التفكير والإدراك ومولع بالأمور الحسية والشهوانية والعنف والغيب، لذا فإنه من حق الغرب «المسيحي» العمل على إبعاد هذا الأذى من اقتحام أبوابه مهما كلف الأمر.
هذا ليس كل ما قاله إدورد سعيد ولكن يمثل تيارا فكريا ومنهجيا أحدث ثورة في علم الاستشراق وكُتب عنه من الدراسات العلمية والأكاديمية والمقالات الصحفية ما لم يكتب في أي كتاب في حقله. ولم تكن الكتابات هذه إيجابية كلها. لإدورد سعيد أعداء مثلما له أصدقاء. ولكن الأعداء والأصدقاء متفقون على أن الكاتب استفزهم ودغدغ مشاعرهم وأجبرهم على الرد إن سلبا أو إيجابا. وهذا أقصى ما يتمناه أي باحث أو عالم.
ولا حاجة لنا أن نبرهن كيف حاول وما زال يحاول الغرب «المسيحي» احتواء والسيطرة على الشرق المسلم عسكريا واقتصاديا. وفي الرسائل السابقة أعطينا القراء بعض الأمثلة عن الاحتواء الإعلامي واللغوي. ولنركز في هذه الرسالة على الجانب الفكري والأيديولوجي لنضيفه إلى الرصيف النظري الذي نحاول بناءه.
والوضع فاق ما أتى به إدوارد سعيد وصار اليوم على الشاكلة التالية: الغرب «المسيحي» يتطور نحو الأفضل والشرق المسلم نحو الأسوأ. وكي يستطيع الشرق المسلم اللحاق بالغرب «المسيحي» عليه التخلص من الأدران التي تعوق تطوره. ولأن الشرق متخلف فإنه لا مقدرة فكرية له لتحديد ماهية هذه الأدران وكيفية التخلص منها. ولأن الغرب يملك العقل والحكمة والشرق مهوس بالأمور الحسية والغيبية فعلى الأول قيادة الثاني وعلى الثاني إطاعة الأول. وكي يستطيع الغرب إيواء الشرق عليه تغيير كثير من مفاهيمه وهذا لن يفعله. وكي يستطيع الشرق إيواء الغرب عليه تغيير كثير من مفاهيمه وهذا ما عليه أن يفعله. هذه قاعدة فكرية قلما نحس بها. وفي السنين الأخيرة تجاوز أمر الاحتواء والسيطرة الفكرية حدودا لم يصلها لا في فترة الحروب الصليبية ولا في عهد الاستعمار الحديث. وأستميح القارئ العزيز عذرا إن كنت قد أثقلت عليه بافتراضيات لا أجزم أنها صحيحة 100 في المائة. احتمال الصدق فيها أو عدمه يعتمد على قوة الشواهد وموقف المتلقي أو القارئ منها. ودعنا ننظر سوية إلى بعض الشواهد من حياتنا المعاصرة التي قد نمر عليها مرور الكرام بيد أن سطوتها الأيديولوجية والفكرية تأتي من طرف ينظر إلى الطرف الآخر من علو وفوقية في مجمل نواحي الحياة الفكرية والأيديولوجية:
يقول الغرب: التحاور مع الشرق وإيواؤه مستحيل طالما أن المسلمين يؤمنون بأن كل حرف وكلمة في القرآن هي من عند الله. أما إيواء إسرائيل والدفاع عنها ووجودها وسياساتها أمر مقبول وحضاري رغم أن اليهود وكثير من المسيحيين يؤمنون بأن كل كلمة في التوراة هي من عند الله. يقول الغرب: إن أراد المسلمون أن يكونوا جزءا من الحضارة الغربية عليهم فصل الدين عن السياسة والأمور الحياتية الأخرى لأنه لا يمكن التلاقي مع أناس يؤمنون بالغيب والقضاء والقدر وأمور عفى عليها الزمان. أما التلاقي مع أناس يستخدمون الغيب لاحتلال وغزو وتدمير شعوب أخرى مثلما حدث ويحدث في فلسطين والعراق فمقبول. احتلال فلسطين مبني على الغيب التوراتي واحتلال العراق كذلك لأنه حدث من قبل إدارة أمريكية تدين بالولاء المطلق لطائفة مسيحية تؤمن بالغيب التوراتي.
يقول الغرب: إن أراد المسلمون تنوير أنفسهم عليهم إبطال مسألة الفتاوى أو عدم الاكتراث بها وأصحابها. أما إذا كان هناك شخص مثل بابا روما الذي، رغم كونه بشر، يحيطه أتباعه، وهم أكثر من مليار مسيحي، بهالة من القدسية لدرجة العصمة التي تسمح له بإدانة استخدام موانع الحمل الاصطناعية بضمنها الكوندوم (الواقيات) التي أثبت العلم فاعليتها ضد مرض الإيدز فهذا أمر مقبول.
يقول الغرب: على المسلمين تغيير مناهجهم الدراسية وتخليصها من كل ما لا يتفق مع قبول وإيواء الآخر ويقصد بذلك الآيات القرآنية التي تدعو للقصاص وتدين تصرفات بعض الفئات البشرية، لا بل وصل الأمر إلى المنادة برفعها أو وضعها طي الكتمان. أما وجودها وبكثرة في الكتاب المقدس، ولا سيما في عهده القديم (التوراة) وتدريسها فهذا لا ضير فيه.
والشواهد أكثر من أن تحصى وأكثرها إيلاما تخص ربيبة الغرب إسرائيل. أن تحصل إسرائيل على أكثر الأسلحة فتكا بضمنها أسلحة الدمار الشامل والأسلحة النووية فهذا أمر مقبول، وإن حصل الشرق المسلم على أسلحة يجب ألا تؤثر في توازن القوى الذي يجب أن يكون دائما لمصلحة إسرائيل. إن وصول مدى الصاروخ إلى إسرائيل فهذا أمر مريب يجب مقاومته وأن يصل مدى الصواريخ الإسرائيلية، حتى النووية منها، إلى أي بقعة لا في الوطن العربي وحسب بل في العالم فهذا أمر مقبول.
وإن قتل الرجال من الغرب «المسيحي» نساءهم بسبب الخيانة الزوجية فهذا من التوراة والإنجيل واليهودية والمسيحية ليس في شيء. وإن قتل مسلم زوجته أو امرأته لنفس السبب فهذا قتل سببه القرآن والإسلام. وإن سمح الغرب للمرأة أن تبيع جسدها مثل أي سلعة أخرى وأن تظهر مفاتنها علانية وتتعرى على الشواطئ فهذا أمر مقبول وإن احتشمت المرأة المسلمة بالحجاب وليس الجادور فهذا أمر مرفوض ويمس الحرية الفردية وسببه الإسلام والقرآن.
لا أعلم ما رأيك عزيزي القارئ فيما أتيت به في هذه الرسالة التي تظهر أن الغرب «المسيحي» لن يرتاح له البال حتى يتبعه الشرق المسلم. الشرق الهندوسي والشرق البوذي، على سبيل المثال، لا شأن له بهم الآن ولهذا لا تستغرب من النهوض المفاجئ وغير المتوقع لكل من الهند والصين. ومتى سينهض الشرق المسلم مرة أخرى فهذا سؤال أوجهه للقارئ للإجابة عنه.

وإلى اللقاء.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي