رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


جامعة الملك خالد وشاهد على التنمية

قبل نحو عشر سنوات وخلال الزيارة الملحمة والتاريخية لخادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله - حفظه الله – إلى منطقة عسير (ولي العهد آنذاك) تم الإعلان عن إنشاء جامعة ترعى التعليم العالي في المنطقة، وقد أطلق عليها خادم الحرمين الشريفين اسم جامعة الملك خالد. ويبدو أن للتنمية في منطقة عسير قصة مع اسم الملك خالد، وما الجامعة إلا حلقة في سلسلة ملحمة التنمية في هذه المنطقة ولعلها واسطة العقد فيها. من الإنصاف القول إن رحلة التعليم العالي في منطقة عسير بدأت قبل جامعة الملك خالد عندما تم تدشين فرع لجامعة الملك سعود وفرع لجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية. لا يهدف هذا المقال إلى تتبع التطور التاريخي للتعليم العالي في المنطقة، بل أثر هذا التطور في التنمية الشاملة والاقتصادية منها على وجه الخصوص.
عندما أنشئت جامعة الملك خالد كانت الفروع المشار إليها متناثرة في مدينة أبها والترابط بينهما محدود والتنسيق كذلك. كانت المباني مستأجرة وغير مؤهلة لتقديم تعليم عال راق متقدم يفيض بالحضارة ويسهم فيها، على الرغم من وجود أسماء علمية بارزة جدا في كلا المؤسستين العلميتين. لا يمكن القول إن تلك الفروع لم تسهم في التنمية والحراك الثقافي، ومثل هذا القول تنقصه الدقة والأمانة والموضوعية، فقد أسهمت كلية الطب التابعة لفرع جامعة الملك سعود بالكثير وأسهم أساتذتها في العمل في مستشفى عسير، الذي مارس دور المستشفى التعليمي، رغم الضغوط والخلافات المستمرة بين منسوبي الجامعة ووزارة الصحة. كما أسهم أعضاء هيئة التدريس في فرع جامعة الإمام في الحركة الأدبية والثقافية للمملكة، لكن مع زيادة الزخم الثقافي الذي أسهم فيه الفرعان بشكل ملحوظ بدت الفروع أضيق من تحمل كل ذلك الوهج وظهرت الحاجة ماسة إلى جامعة تنسق الأعمال وتدعم الجهود وتسير بالركب الحضاري في المنطقة. جاءت جامعة الملك خالد كمفصل تاريخي مهم في مسيرة التنمية ليتنفس التعليم العالي في المنطقة الصعداء في رحاب الجامعة الوليدة بعد ضيق رحم الفروع.
لكن الجامعة ولدت والمملكة تمر بأوضاع اقتصادية غير مواتية، لذا كانت الميزانية الأولى للجامعة متواضعة في مقابل الأحلام الوردية التي كانت سائدة في ذلك الحين، حيث لم تصل إلى 400 مليون ريال، وبدأت أناشيد الفرح تتلاشى مع الواقع الاقتصادي الصعب الذي يواجه الجامعة. ظهر لإدارة الجامعة الوضع الذي تعيشه الفروع وحجم الأعمال المنتظرة والآمال المعلقة عليها، فقد كانت جميع المقار مستأجرة ولا وجود لقاعات درس متقدمة، بل لا وجود لمبان جامعية بالمعنى المتعارف عليه في عالم التعليم العالي. كانت المقار المستأجرة غير صالحة حتى لتدريس طلاب الثانوية العامة، فضلا عن طلاب البكالوريوس والدراسات العليا. وكانت ـ بالطبع - غير مؤهلة لاستقبال مؤتمرات أو ندوات ذات طابع دولي أو حتى محلي. باختصار كان تحدي التنمية هائلا وعقباته كؤود.
لا يشك أحد في ضرورة دور الجامعة لتنمية محيطها، لكن الحقيقة التي تبدت أمام إدارة جامعة الملك خالد أن فاقد الشيء لا يعطيه، فكيف ستسهم الجامعة في التنمية المحلية، بينما هي نفسها في حاجة إلى تنمية ذاتية وتحتاج إلى نقله كبيرة في جميع المجالات. من هنا بدأت رحلة التنمية الذاتية بالاستخدام الأمثل للموارد المتاحة وذلك في ظل أوضاع اقتصادية غير مواتية، وكان هذا تحديا إداريا ضخما. كان على إدارة الجامعة أن تحل أهم الألغاز الإدارية وهو استخدام الموارد المتاحة بكفاءة وفاعلية Effectiveness & Efficiency، فاستخدام الموارد بكفاءة يعني الاستفادة القصوى من الموارد المتاحة (بتنوعها سواء بشرية أم مادية) وذلك للحصول على أكبر منفعة منها بحيث تقل مستويات الهدر والفاقد إلى أدنى مستوى ممكن لها. بينما الفاعلية تعني استخدام تلك الموارد بطريقة تسهم في تحقيق أهداف المنظمة. لقد كان على إدارة الجامعة أن تقرر ما الاستخدام الكفء ويكون - في الوقت نفسه ـ فاعلا ولكل مورد متاح لها. ومع ضعف تلك المواد وقلتها في بدايات العمل بدت تلك القرارات أكثر صعوبة.
بعد عشر سنوات استطاعت إدارة الجامعة أن تنقل جميع الفروع إلى مقار جديدة من مجموعة الكليات العاملة في الجامعة لتشكل حرما جامعيا متكاملا مع جميع الخدمات المساندة لها، تم بناؤها جميعا بشكل هندسي يتناسب مع جامعة حديثة ويستغل المساحة المتاحة بكفاءة وفاعلية. يقع الحرم الجامعي الجديد خارج مدينة أبها في منطقة كانت تفتقد الكثير من المظاهر الحضارية لتبدأ الجامعة بممارسة دورها الريادي وتقود موسيقى التنمية في منطقة الحرم الجامعي ولتتفاعل مع نغمات ذلك العزف جميع الدوائر الحكومية الأخرى وتسارع في تقديم خدماتها لتتشكل البيئة الحضارية المناسبة للقطاع الخاص الذي بدأ بممارسة دوره التنموي الضروري. عندما واجهت الجامعة مشكلاتها منحت الحياة وشكلت بيئة تنموية مثالية بعد أن أصبحت قادرة على العطاء والدعم، خاصة مع تطور الأوضاع الاقتصادية للمملكة، حيث أصبحت جامعة الملك خالد من أكبر الجامعات السعودية من حيث أعداد الطلاب والمساحة التي تغطيها خدماتها الجامعية.
لم تقف معركة التنمية التي تواجهها جامعة الملك خالد عند هذا الحد، بل هناك قصة وتجربة لا تقل أهمية وهي تجربة المصدات التنموية والحضارية، فقد بدأت الجامعة في إنشاء سلسلة من الكليات التابعة لها في جميع محافظات منطقة عسير، بحيث تقدم هذه الفروع خدمات التعليم ما فوق الثانوي للجنسين، الأمر الذي سيسهم في تقليل حركة الهجرة من هذه المحافظات إلى مدينة أبها، كما أنها ستسهم بذلك في دعم مسيرة التنمية من خلال التفاعل (الناشئ في البيئة التنموية) بين الجامعة والقطاعين الحكومي والخاص، وهو الأمر الذي سيسهم في خلق فرص وظيفية في هذه المحافظات. كما أن إنشاء هذه الفروع سيساعد على حل مشكلات كثير من الأسر التي كانت تضطر إلى الانتقال إلى مدينة أبها لتعليم أبنائها وبناتها أو الاكتفاء بالمرحلة الثانوية وعدم مواصلة التعليم، ما يفاقم مشكلة البطالة إلى حد كبير في هذه المحافظات.
إنه من الخطأ الاعتقاد أن دور الجامعة دور تعليمي صرف، بل هي ثورة حضارية تقود معها المجتمعات إلى عالم أكثر تقدما. والجامعة بهذا تقدم حلولا اجتماعية واقتصادية لأكبر وأعقد المشكلات التي تواجه الأمم، ويجب ألا تخدعنا القوائم الإعلامية عن مشاهدات التنمية التي يجب أن نحكم على دور الجامعة من خلالها.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي