رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


الحجز على الجثث

أوردت صحيفة «الاقتصادية» في عدد يوم الثلاثاء 25 رمضان 1430هـ خبر تشكيل لجنة للتحقيق في قضية احتجاز أحد المستشفيات المعروفة في المنطقة الغربية جثة ابنة أحد المقيمين، والتي توفيت في المستشفى بسبب إصابتها بإنفلونزا الخنازير. ولا يتضح من الخبر فيما إذا كانت الجثة لطفلة أم لامرأة ويبدو والله أعلم أنها لطفلة. واحتجز المستشفى الجثة حتى تعهد والد المتوفاة بدفع فواتير العلاج التي وصلت إلى 600 ألف ريال كما ورد في الخبر! وللقارئ تخيل المعاناة التي عاشتها أسرة المتوفاة حتى تمكنها من تسلم الجثة وإتمام الواجب تجاهها. ولم يتم التحقيق في هذه القضية إلا بعد أن قامت الجمعية الوطنية لحقوق الإنسان في منطقة مكة المكرمة بمطالبة الشؤون الصحية في جدة بالتحقيق في الشكوى. وحثت الجمعية (وهي محقة) على ضرورة تبني تنظيم لتسليم جثث الموتى من المستشفيات الخاصة يضمن احترام وحفظ حرمة الموتى كما تنص عليه مبادئ الشريعة الإسلامية السمحة.
وتمارس المستشفيات الخاصة سياسة احتجاز جثث الموتى حتى دفع الفواتير، ولا يقبل العديد منها حتى مبدأ التعهد بدفع الفواتير بل لا بد من دفعها. وهناك العديد من الروايات التي تؤكد احتجاز المستشفيات الخاصة جثث موتى الحوادث حتى دفع كامل الفواتير المالية والتي عادةً ما يبالغ فيها، وذلك بسبب استغلال المستشفيات لحالة الهلع التي يقع تحتها أهالي المتعرضين للحوادث أو المرضى في الحالات الخطرة.
وأستغرب كيف يسمح للمستشفيات الخاصة بالتعدي على حرمة الجثث البشرية واحتجازها حتى دفع الفواتير المستحقة أو حتى التعهد بدفعها. فنحن في بلد (وكل دول العالم) يقدس حرمة الموتى ويحترم ضرورة دفنهم في أسرع وقت، بغض النظر عن الدين أو العرق أو المكانة الاجتماعية أو سبب الموت، كما أكدته الشريعة الإسلامية السمحة وكما تحترمه الأخلاق السامية والمثل الإنسانية والقوانين الدولية. ويفوق تقديسنا لهذا الحق جميع دول العالم، فلا توجد في المملكة أي تجارة للجثث ولا يتم تشريح الجثث إلا بموافقة أهل الميت وفي حالات محدودة جداً.
وتشوب الكثير من الفواتير التي تحتجز الجثث من أجلها المبالغة والأخطاء وهي عرضة للأخذ والرد وخصوصاً إذا كانت مبالغها كبيرة. والسؤال المهم الآخر في هذه القضية هو كيف وصلت فواتير مريضة إنفلونزا الخنازير إلى 600 ألف ريال وخصوصاً إذا علمنا أن المريضة توفيت ولم يتم إنقاذها؟ ويشير المبلغ الكبير إلى ارتفاع إمكانية وجود أخطاء طبية وتخبط في العلاج أديا إلى وفاة المريضة. وهناك دلائل على تدني قدرة مستشفيات القطاع الخاص على تشخيص ومعالجة مرض إنفلونزا الخنازير، مما يدل على وجود حالة من الاستغلال لوضعية المرض والهلع المنتشر حوله. ومبلغ الفاتورة يدل على المبالغة الشديدة في تقييم التكاليف حيث إن فترة المرض ليست طويلة، وقد تصل التكلفة اليومية للعناية بالمريض حسب الفاتورة المذكورة في الخبر إلى 40 أو 50 ألف ريال في اليوم. فماذا كان هذا المستشفى يعمل للحصول على هذه التكاليف؟ وهل يستطيع أي شخص من سكان هذا البلد العزيز تحمل مثل هذه التكاليف؟ وخصوصاً ـ لا سمح الله ـ في حالة انتشار هذا الوباء وعدم قدرة المستشفيات الحكومية على تحمل الضغط المتوقع في حالة انتشاره؟ ولا يتوافر مثل هذا المبلغ إلا لنسبة قليلة جداً من السكان.
وقد تعهدت الدولة - حفظها الله - بتحمل تكاليف علاج هذا الوباء، ولكن هذا التعهد قد يفتح المجال أمام ابتزاز المستشفيات الخاصة وذلك بالمبالغة في تقدير تكاليف الرعاية المقدمة بل وتعمد بعض الإجراءات الطبية التي قد تضر بالمرضى وذلك لتحقيق أعلى مكاسب ممكنة. ولهذا ينبغي التدقيق في أساليب حساب تكاليف الرعاية الطبية التي تقوم بها المستشفيات الخاصة للحد من التجاوزات والمبالغة في الفواتير. ويمكن لوزارة الصحة أن توفر تقديرات لتكاليف العلاج على موقعها في الشبكة العالمية للحالات الصحية المتكررة، حيث تكون مرجعاً يمكن الرجوع إليه في حالة الخلافات على الفواتير. كما يمكنها تكليف بعض المختصين لديها للقيام بجولات مفاجئة وسرية على المستشفيات والمستوصفات الخاصة للتأكد من عدم استغلال المستشفيات للمرضى والمبالغة في الفواتير. وهذا سيضيف من الأعباء التي تتحملها وزارة الصحة، ولكن لا توجد جهة أخرى يمكنها تولي مسؤولية مراقبة وتدقيق تكاليف الرعاية الطبية التي تقوم بها مستشفيات القطاع الخاص.
وتشير القضية أيضاً إلى ضرورة تبني مبادرة لإلزام حصول المقيمين على تأمين طبي للتصدي لأي حالات عرضية تواجههم أثناء إقامتهم، بما في ذلك مطالبة المعتمرين والحجاج بالحصول على تأمين طبي للحالات الطارئة للحد من إشكالات عدم توافر الموارد المالية لديهم. فالحالات الطارئة مكلفة ولا تتوافر مبالغ مادية لدى المقيمين والمواطنين للتصدي لها. فمبلغ الفاتورة في هذه القضية لا يستطيع تحمله أو دفعه إلا عدد محدود من السكان ولهذا ينبغي إيجاد طريقة لفرض التأمين على المقيمين أو كفلائهم ودعم توفير تأمين للمواطنين يغطي على الأقل الحالات الإسعافية.
وتدل مجريات القضية على ضعف آلية إيصال شكاوى المواطنين والمقيمين في وزارة الصحة وخصوصاً في الحالات الحرجة والتي تتطلب سرعة الإبلاغ وسرعة التجاوب مع القضايا العلاجية. فهل بإمكان المسؤولين توفير خط ساخن للإبلاغ عن الحالات الاستثنائية والتجاوب مع الشكاوى الكثيرة التي ترد من المواطنين بسبب الأخطاء الطبية والاستغلال الذي تظهره تصرفات عدد كبير من المؤسسات الطبية الخاصة؟
من جهةٍ أخرى، تمارس المستشفيات الخاصة سياسة احتجاز المرضى حتى دفع كامل الفواتير مما يضطر البعض منهم إلى البقاء مدد إضافية حتى تمكنهم من دفع الفواتير. وهناك روايات متعددة لحالات احتجاز لأطفال مواليد وخدج حتى دفع فواتير العلاج. فكيف يسمح باحتجاز المرضى وخصوصاً المواليد والخدج حتى دفع الفواتير؟ وأين وزارة الصحة من ممارسة المستشفيات الخاصة والتي تطبق أنظمتها الخاصة في تحصيل الفواتير من المرضى؟ ولماذا لا تضع الوزارة نظاما لتحصيل الفواتير من المرضى بدلاً من ترك الحبل على غاربه للمستشفيات الخاصة بتحصيل فواتيرها؟ ويفاقم التسيب في تحصيل الفواتير والشيكات في المملكة من معضلة الحصول على المستحقات المالية. حيث أدى التسيب في تحصيل الالتزامات المالية إلى تبني المؤسسات الخاصة والأفراد وسائلهم الخاصة في تحصيل حقوقهم المالية. وسيخفف تبني أنظمة تحصيل فواتير أكثر فعالية في الحد من الممارسات العشوائية التي تقوم بها المؤسسات الخاصة لتحصيل الفواتير.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي