تعزيز الفشل؟

تعزيز الفشل؟

> حين كان ينظم حملته الانتخابية ليصبح رئيسا، قال باراك أوباما مرارا وتكرارا، إن أفغانستان هي الحرب الضرورية، الحرب المبررة بسبب الهجمات الإرهابية للقاعدة في الحادي عشر من أيلول (سبتمبر) 2001، ولكن الحرب التي تفتقر إلى الموارد بسبب الحرب غير الضرورية في العراق. وقد وفى بوعده منذ توليه المنصب. فقد نشر 17 ألف جندي احتياطي، معلنا في آذار (مارس) أنه إذا سقطت الحكومة الأفغانية في يد ''طالبان''، ستصبح الدولة ''مرة أخرى قاعدة للإرهابيين الذين يريدون قتل أكبر عدد ممكن من الناس''. وفي أيار (مايو)، أقال الجنرال ديفيد ماكيرنان وبعث رجلا جديدا، هو الجنرال ستانلي ماكريستال، لقيادة القوات الأمريكية وقوات التحالف. إلا أن القائد الجديد يطلب الآن المزيد من الجنود - وليس من الواضح على الإطلاق ما إذا كان أوباما سيوافق على ذلك.
وقد أثار تقييم الجنرال ماكريستال للمهمة التي يواجهها في أفغانستان، التي تم تسريبها إلى صحيفة Washington Post في الحادي عشر من أيلول (سبتمبر)، ضجة كبيرة في العاصمة. ويقول تقريره صراحة إن النجاح غير مؤكد، وإن الوضع العام متدهور في مواجهة التمرد القوي والمتزايد، وأن أمريكا والناتو في حاجة ملحة لإعادة تخطيط حملة مكافحة التمرد و''تزويدها بالموارد الكافية''. ولم يحدد الجنرال عدد القوات الإضافية التي يحتاج إليها (على الرغم من وجود شائعات تفيد أن العدد في حدود 30 ألفا). وفي الواقع، حرص على القول إن الموارد وحدها لن تكفي لكسب الحرب. ولكنه قال أيضا إن ''عدم كفاية الموارد قد تؤدي إلى خسارتها''. وعلى الرغم من أنه يعتقد أن من الرائع أن تتمكن قوات الأمن الأفغانية من قيادة القتال، إلا أنه خلص إلى القول إنها لن تكون قوية بما فيه الكفاية لبعض الوقت. وأضاف الجنرال أنه حالما يتبنى التحالف استراتيجيته الجديدة، علينا ''إرسال إشارة بالالتزام بالمهمة بثبات حتى النجاح''.
وفي الواقع، كان لدى أوباما فرصة رائعة لإرسال مثل هذه الإشارة حين ظهر في عديد من البرامج الحوارية الأخيرة ليوم الأحد في محاولة لتعزيز الدعم لإصلاح الرعاية الصحية. وكان هناك مزيد من الفرص أمامه في الاجتماعات الدولية في الأمم المتحدة التي دامت أسبوع، بما في ذلك خطابه أمام الجمعية العامة. ولكن لم يكن هناك أي مؤشر على أي التزام ثابت - بل إذا حدث شيء، فقد حدث العكس. وأكثر بيان للنوايا وضوحا حول أفغانستان أخيرا هو البيان الذي قدمه لبرنامج Meet the Press على قناة NBC. وجاء فيه: ''لست مهتما بالوجود فقط في أفغانستان لأجل الوجود فيها أو حفظ ماء الوجه، بطريقة ما - أي إرسال رسالة مفادها أن أمريكا هنا حتى النهاية. ولن أرسل أي شاب أو شابة هناك - إضافة إلى الموجودين هناك - إلى أن أقتنع أن لدينا الاستراتيجية الصحيحة''.
ولم يقل الرئيس هذا بفعل المفاجأة. فمن الواضح أن الإدارة تعيد النظر بعمق بشأن أفغانستان ولا تبذل جهودا كبيرة لإخفاء ذلك. ويقول روبرت جيتس، السكرتير الصحافي لأوباما، إنه لا يزال يتم إجراء تقييم عام للاستراتيجية في أفغانستان ولن يتم استكماله لعدة أسابيع أخرى. ولن يتم اتخاذ أي قرار بشأن إرسال قوات إضافية إلى أن يتم استكمال التقييم. وكما قال الأميرال مايكل مولن، رئيس هيئة الأركان المشتركة، الأسبوع الماضي، فإن هذا التقييم بدأ من ''المبادئ الأولى''.
هل يعقل أن يتجاهل أوباما الجنرال ماكريستال ويقرر تخفيف حدة بدلا من تصعيد الحرب التي أعلن هو شخصيا أنها بالغة الأهمية لسلامة أمريكا؟ على الرغم من أن هذا سيكون مقامرة سياسية كبيرة، إلا أن الخيارات البديلة بين التصعيد والتخفيف، قيد المناقشة بلا شك. وتفيد التقارير أن جو بيدن، نائب الرئيس، متحمس لاقتراح تخفيض عدد القوات الأمريكية وتخفيف طموحاتها في أفغانستان. وسيكون الهدف الجديد هو التركيز على الضربات فائقة التكنولوجيا على القاعدة بدلا من التورط في حرب شعواء ضد التمرد بهدف إيجاد دولة أفغانية قوية لم يسبق أن كانت موجودة أصلا.
وحتى وقت قريب، كان أوباما يعارض هذه الفكرة. وسيكون تغيير رأيه تماما الآن أحد أصعب القرارات التي يتخذها كرئيس. ولكنه سيكون متسقا مع نهجه الشامل باتخاذ حركات استراتيجية كبيرة (مثل تلك المتعلقة بإصلاح الرعاية الصحية) في وقت مبكر، قبل تلاشي رأس ماله السياسي. وقد أمر بالفعل بإجراء تغييرات أخرى مثيرة للجدل فيما يتعلق باتجاه السياسة الخارجية. ففي هذا الشهر وحده، ألغى أطول خطة أمريكية لوضع نظام رادار وصواريخ اعتراضية مضادة للصواريخ في بولندا وجمهورية التشيك، وأعلن أن أمريكا ستنضم إلى القوى الكبرى الأخرى في محادثات مباشرة مع إيران، مع أن الإيرانيين تحدوا قرارات مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة لوقف تخصيب اليورانيوم.
وهذه القرارات، والضغوط غير العادية التي مارسها على إسرائيل لتجميد الاستيطان في الضفة الغربية المحتلة، أثارت غضب حلفاء أمريكا التقليديين وأعطت ذخيرة لخصومها في الداخل. ويشعر اللوبي اليهودي في أمريكا بانزعاج كبير بسبب السرعة التي قوض بها أوباما، كما يبدو، المكانة الخاصة لإسرائيل باعتبارها صديقة أمريكا المدللة في الشرق الأوسط. ويشتكي القادة الجمهوريون أن أوباما يمد يده للديكتاتوريين وينحني للأعداء ويخون الأصدقاء المخلصين. وفي الأسبوع قبل الماضي، قال مايك هاكابي، المرشح الرئاسي الجمهوري السابق، الذي لا يزال بالتأكيد يطمح للرئاسة، أن الرئيس لا يتبع أسلوب اللطف مع إمكانية استخدام العنف إن لزم، فهو يحمل ''غصن زيتون كبيرا، أو ربما كيسا من المارشميلو'' لتحميصه على النار وهو يغني بحماس.
وليس من المرجح أن تزعج مثل هذه الانتقادات أوباما؛ فأوروبا الشرقية، إيران وفلسطين لا تمثل تهديدات كبيرة في أذهان الأمريكيين الذين تقلقهم مسائل مثل البطالة وحالات العجز المتزايدة والجدل بشأن الرعاية الصحية. كما أنه بعد سنوات بوش المليئة بالحروب، لا يشعر جميع الأمريكيين، مثل هاكابي، بالخزي من مظهر الرئيس وهو يلوح بغصن الزيتون. وصحيح أن عكس مسار اتجاه الحرب ''الضرورية'' في أفغانستان، وهي السياسة التي وضعها من تلقاء نفسه، سيكون أصعب بكثير بالنسبة لأوباما من عكس مسار أي من سياسات بوش. ولكن بعد أن شهد الضرر الذي أحدثته حرب العراق لرئاسة بوش، قد يستنتج أوباما أن مصير رئاسته على المحك الآن في أفغانستان. وحين رشح أوباما نفسه في الانتخابات، كانت العراق تبدو كمستنقع وكان الفوز في أفغانستان يبدو أكثر احتمالا. ولكن لم تعد الحالة كذلك. فمع بدء انتهاء الحرب في العراق، يتزايد العنف في أفغانستان ويؤدي إلى موت المزيد من الأمريكيين. لذا ليس من المستغرب أن يتغير الرأي العام في الداخل بصورة حادة. وذكر مركز بيو للأبحاث أخيرا أن نسبة الأمريكيين الذين يريدون أن تظل قواتهم إلى أن تستقر أفغانستان انخفضت إلى 50 في المائة في أيلول (سبتمبر) بعد أن كانت 57 في المائة في حزيران (يونيو)، في حين أن نسبة الذين يريدون الخروج في أقرب وقت ممكن ارتفعت من 38 في المائة إلى 43 في المائة. وبدأ الديمقراطيون على وجه الخصوص بالتحول ضد الحرب. ويقول مركز بيو إن 56 في المائة يريدون خروج القوات، في حين أن 37 في المائة (مقارنة بنسبة 71 في المائة من الجمهوريين) يريدونها أن تظل في أفغانستان. وقد يشعر الرئيس الذي يعاني مشكلات مع قاعدته لتقديم تنازلات بشأن إصلاح الرعاية الصحية والتغير المناخي أن عليه أن يحرص على ألا يعتبر مؤيدا لوجهة نظر الجمهوريين في الحرب الخارجية. وإذا غيّر أوباما موقفه في أفغانستان، قد يسجل التاريخ أن العامل الحاسم هو الانتخابات الرئاسية المزورة هناك في الشهر الماضي. ويبدو أن البيت الأبيض وجد أن هذا مزعجا بصورة خاصة بالنظر إلى تقرير ماكريستال. فالاستنتاج الرئيسي للجنرال هو أن النجاح في أفغانستان لا يعتمد على قتل مزيد من المقاتلين من ''طالبان''، بل على كسب ثقة الأفغان الذين نفروا من الفساد المتفشي تحت رئاسة الرئيس حميد كرزاي الذين ليس لديهم سبب لدعم حكومتهم. ويستنتج الجنرال أن ''الجيش الأجنبي وحده لا يستطيع التغلب على التمرد''. ومهما بلغت ثقة أوباما بأن هذه هي الحرب الصحيحة، إلا أنه لا يستطيع أن يكون متفائلا بشأن إرسال مزيد من الجنود لدعم الحكومة التي لا تتمتع بالكفاءة والتي فقدت شرعيتها. والطموح الرئيسي لأوباما في الحياة هو تغيير أمريكا في الداخل. وآخر شيء يريده هو فيتنام أخرى >

الأكثر قراءة