الوقود السائل
> يقول الكاتب المسرحي Noel Coward: ''من المذهل مدى قوة الموسيقى الرخيصة''. ولعل بإمكانه قول الشيء نفسه عن الأموال الرخيصة أيضا. فقد حدث انتعاش قوي في معظم الأسواق المالية، لأن العائد على الودائع لا يزيد على الصفر في عديد من الدول الغنية. وفي أمريكا، تنتج صناديق أسواق المال نحو 0.1 في المائة بعد احتساب الرسوم، وبالتالي فإن المستثمر الذين يملك 100 ألف دولار يتلقى 100 دولار فقط كفائدة سنوية. ومن غير المستغرب أن يسحب المستثمرون 332 مليار دولار من مثل هذه الصناديق هذا العام، أي نحو 10 في المائة من إجمالي الأصول، وذلك وفقا لشركة EPFR Global للبيانات.
ويبدو أيضا أن المستثمرين في أماكن أخرى يشغلون أموالهم. فقد ارتفع مؤشر MSCI العالمي لأسعار الأسهم العالمية بنسبة تقارب 24 في المائة حتى الآن هذا العام، بعد أن انخفض بنسبة مماثلة بين الأول من كانون الثاني (يناير) والسادس من آذار (مارس). وفي أسواق الدين، انخفض الهامش (أو معدل الفائدة الإضافية على سندات الخزانة) على سندات الشركات مرتفعة العائد من أكثر من 16 نقطة مئوية في بداية العام إلى نحو سبع نقاط مئوية ونصف نقطة الآن. ولم تفقد السلع هذه الفرصة - فقد عاد سعر الذهب ثانية إلى ألف دولار للأونصة.
وتستمتع الأسواق بظروف مواتية جدا يتم فيها تنقيح التوقعات الاقتصادية وتوقعات الأرباح إلى درجة أعلى، ولكن لا تزال توقعات أسعار الفائدة (وبالتالي تكاليف الاقتراض) معلقة، بفضل التضخم المقيد. وفي الثالث والعشرين من أيلول (سبتمبر)، قال مجلس الاحتياط الفيدرالي إن الاقتصاد الأمريكي ''ارتفع'' إلا أنه من المتوقع أن تظل أسعار الفائدة ''منخفضة بشكل استثنائي''. وتشير البيانات إلى أن معظم الاقتصادات المتقدمة خرجت من الركود. وربما انخفضت أرباح الربع الثاني للشركات في S&P 500 بنسبة تقارب 30 في المائة على أساس سنوي، ولكنها كانت لا تزال أكبر مقارنة بالربع الأول. ويتوقع المحللون زيادة بنسبة 28.7 في المائة في أرباح الشركات العالمية عام 2010.
وما هو صحيح بالنسبة للعالم المتقدم ينطبق تماما على الأسواق الناشئة. فقد ارتفعت البورصات الناشئة بنسبة مذهلة بلغت 62 في المائة منذ بداية العام، وهي أعلى بنسبة 94 في المائة عن مستوياتها المنخفضة. ويعتقد Mark Mobius، وهو مستثمر في الأسواق الناشئة في Franklin Templeton، أن المحللين يستخفون باحتمالات الانتعاش وأن كثيرا من الأسواق قد تتجاوز المستويات المرتفعة لعام 2007.
وفي الواقع، هناك بالفعل حديث عن أن الأسواق الناشئة قد تكون الفقاعة التالية الناتجة عن السياسات النقدية المتساهلة. ويعتقد المستثمرون أن توقعات النمو في الدول النامية أفضل بكثير منها في العالم المتقدم. وتغذي السيولة السوق الصينية على وجه الخصوص. ووفقا لـ Dylan Grice من Societe Generale: ''البنوك الصينية التي لم ترغب في الإقراض منحت المقترضين الذين لم يكونوا يريدون الاقتراض.. ويتدفق المال الآن في سوق الأوراق المالية، وفي السلع والعقارات''.
إلا أن الحديث عن الفقاعة يبدو سابقا لأوانه بعض الشيء. فقد انتعشت الأسواق بسرعة كبيرة، ولكنها انخفضت بالسرعة نفسها في الأشهر الستة حتى آذار (مارس). ويجدر أن نتذكر أنه حتى لو عاد مؤشر داو جونز الصناعي لمستواه البالغ 10 آلاف في المستقبل القريب، سيظل أدنى من مستواه المرتفع المعتاد بواقع أربعة آلاف نقطة، والذي تم تسجيله في تشرين الأول (أكتوبر) 2007. ومؤشر MSCI العالمي أدنى بنسبة 32 في المائة تقريبا عن ذروته. ويعود بعض هذا الانتعاش إلى الارتياح الكبير بسبب خروج الأسواق من الأزمة (على سبيل المثال، عادت تكلفة الاقتراض في أسواق المال إلى مستوياتها الطبيعية تقريبا).
والسؤال الأكثر صعوبة للإجابة عنه هو فيما إذا كانت الزيادة هي بداية سوق تزيد فيها الأسعار على المدى الطويل أم أنها مجرد انتعاش آخر في سوق الأسعار المنخفضة، مثلما حدث في اليابان في التسعينيات. ولم تبدأ فعليا عملية تخفيض الاعتماد على الديون التي توقعها الكثيرون منذ فترة طويلة؛ حلت الديون الحكومية محل ديون القطاع الخاص. بالتالي، قد يكون الاقتصاد يعتمد بصورة كبيرة على اتخاذ إجراءات من قبل البنوك المركزية والحكومات، وقد يتراجع حالما يتم سحب هذا الدعم.
وقد تم بالفعل سحب بعض أشكال الحوافز. فقد انتهت إعانات ''المال مقابل السيارات القديمة'' الأمريكية لتعزيز مبيعات السيارات في آب (أغسطس). ويتوقع موقع Edmunds.com الإلكتروني أن يبلغ المعدل السنوي لمبيعات السيارات في أيلول (سبتمبر) 8.8 مليون وحدة، بعد أن بلغ أكثر من 14 مليونا في آب (أغسطس). ويخشى أن يكون هذا الانتعاش على طريقة فيلم Weekend at Bernie's، الذي يتظاهر فيه اثنان من الموظفين أن رئيسهما المتوفي لا يزال حيا (حيث يسندان الجثة ويلبسانها نظارات شمسية) لكي يعيشوا حياة صخب وحفلات.
وانتعشت أسواق الأسهم وسندات الشركات أيضا بسبب التخفيف الكمي، العملية التي توجد بها البنوك المركزية المال لشراء السندات (الحكومية في الغالب). وقد ساعد هذا في السيطرة على إيرادات سندات الخزانة. وفي حزيران (يونيو)، أنتجت السندات لمدة عشر سنوات نحو 4 في المائة؛ وتبلغ حاليا 3.5 في المائة، وهي نسبة منخفضة بالمعايير التاريخية، على الرغم من أن الحكومات تصدر كميات قياسية من الديون. ويخشى أن ترتفع الإيرادات بصورة حادة إذا توقف التخفيف الكمي، ما سيزيد تكاليف الاقتراض بالنسبة للجميع. وأخيرا، قال Crispin Odey، مدير صندوق تحوط في لندن، لعملائه: ''في مرحلة ما، سيتوقف التخفيف الكمي، ولكن إلى أن يتوقف، ستظل هذه السوق المزدهرة تحت رعاية (الحكومات) ويجب على الجميع التمتع بذلك''.
ولكن يبدو أن البورصة تفترض حدوث انتعاش اقتصادي قوي. ويتم التداول في مؤشر S&P 500 بمكررات ربحية تبلغ نحو 20، بناء على توقعات عام 2009 لأرباح التشغيل. ويقدّر النهج الأكثر حذرا، الذي يستخدم الإيرادات التي تم الإبلاغ عنها بموجب المعايير المحاسبية الرسمية، المضاعف عند 27. وكلا الرقمين أعلى بكثير من المتوسط التاريخي. ووفقا لـ Smithers & Co، فإن السوق الأمريكية مقدرة بأكثر من قيمتها بنسبة 37 في المائة على أفضل مقياس طويل الأجل، وهو مكررات الربحية المعدلة دوريا (التي تقارب الأرباح على مدى عشر سنوات).
ونتيجة لذلك، تبدو الأسواق عرضة للانتكاس. وأشار الخبراء الاستراتيجيين في UBS في بحث جديد إلى أن ''السيولة محرك أكبر لهذه السوق من الأساسيات. وعادة، ينعكس مسار الانتعاشات المدفوعة بالسيولة بصورة عنيفة دون إنذار'' >