متى يصبح أداء الوزارات مقاربا لأداء شركات الحكومة؟
كلنا نرغب في أن يحقق اقتصاد بلادنا مرتبة متقدمة عالميا. ولكن من المشكوك فيه جدا إمكان تحقيق ذلك من دون تطوير الإدارة الحكومية.
الناس يتساءلون عن تدني أداء وإنتاجية أكثر أو كثير من الوزارات ومؤسسات الحكومة، رغم حرص خادم الحرمين الملك عبد الله على حسن الأداء وتوجيهاته للجميع بخدمة المواطنين وإنجاز مصالحهم، ورغم ميزانيات بمئات المليارات كل عام، ورغم تغيير في الوزراء بين حين وآخر.
لو طلب من أي مواطن أن يقارن بين أداء أجهزة الحكومة وأداء شركة حكومية أو شبه حكومية، لقال لك إنه لا وجه للمقارنة، فأداء شركات الحكومة (رغم ما فيه من نقص) أفضل كثيرا من أداء أجهزة الحكومة.
''أرامكو السعودية''، مثلا، وهي شركة تملكها الحكومة بالكامل، ورئيس مجلس إدارتها وزير، إلا أنها أفضل في إدارتها وأداء أعمالها وساعات عملها وأداء وانضباط موظفيها من عامة أجهزة الحكومة، وأتوقع أن هذا هو سبب إسناد الإشراف على إنشاء جامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية إليها من قبل خادم الحرمين الشريفين.
ومن باب النزاهة والعدل، فإن المقصود الصفة العامة وليس كل دائرة وإدارة حكومية، فهناك إدارات ومكاتب ومدارس حكومية وموظفون حكوميون يتفانون في أداء العمل، بل منهم من يجتهدون في أداء عملهم بما يتجاوز المطلوب منهم نظاما.علام الثنائية الصارخة بين أداء أجهزة الحكومة وأداء شركاتها؟ لماذا كان المملوك أفضل من المالك في الأداء والعمل بفارق كبير؟
مشكلة إمكانات مادية؟ بالتأكيد لا. مشكلات بيئة وثقافة عمل؟ محسوبية؟ انضباط؟ قدوة؟ سياسات توظيف وتدريب واختيار مسؤولين؟ إجراءات وسياسات وأدلة عمل ومكافآت؟
هذه من جذور وأسس المشكلة، والسؤال لماذا إذا كانت الحكومة مقتنعة بأن قلة المحسوبية وارتفاع الانضباط وجودة التوظيف والتدريب واختيار الموظفين وخاصة كبارهم، وطريقة مكافآتهم، والتطوير وأدلة العمل والإجراءات في شركاتها هي أسباب جوهرية في نجاح هذه الشركات، فلماذا لا يطوق ذلك على الوزارات ومؤسسات الحكومة وأنظمة الخدمة المدنية؟
يتوافر للإدارة الحكومية في المملكة إمكانات، لكن الاستفادة المرجوة مشروطة بتوافر القيادات الإدارية القادرة على والراغبة في صنع التغيير وقيادة التحول نحو مستويات متقدمة من العطاء والإنتاجية.
تمتلك شركتا أرامكو وسابك، على سبيل المثال، ثقافة تنظيمية تحفز (ولو نسبيا) على الإبداع والتميز، وبيئة عمل تؤكد على معدلات إنتاج عالية وكفاءة مرتفعة يحرص العاملون فيهما على تحقيقها. فلماذا لا تملك بيئة العمل الحكومية هذه الثقافة، والحكومة هي المالك والمسيطر على تلك الشركات؟ كيف تصنع هذه الثقافة في الحكومة؟ كيف نكون تقاليد راسخة تمجد القيادات الحكومية التي تكون قدوة جيدة للآخرين في إخلاصها وولائها للعمل؟ كيف نوجد ثقافة تعطي قيمة وأهمية أعلى للمخلصين الجادين في العمل، وتعمل على مساءلة المقصرين المتهاونين ومحاسبتهم ومعاقبتهم وفقا لأنظمة ولوائح واضحة ومعلنة للجميع ويتم تطبيقها على الجميع من دون محاباة لأحد؟ ما المطلوب لتقليص المحسوبية؟ نطمع في بناء ثقافة مساءلة من يتولى عملا حكوميا، سواء كان الشخص وزيرا أو موظفا صغيرا. نطمح إلى وجود ثقافة إدارية تهتم اهتماما كبيرا بمطالبة كل مسؤول ببرنامج عمل ومن ثم محاسبته على ذلك.
وهذه نقاط في الإدارة الحكومية، ولا أدعي أنني متخصص في هذا الموضوع، ولكنني جمعتها من أهل الاختصاص:
سمات في الإدارة الحكومية غير المتطورة
* تغلب الأهواء والمعاييــر غير الإدارية في اتخاذ القـرارات.
* التركيز على تأمين المدخلات والاستغراق في الإجراءات والشكليات والمظاهر، وبالمقابل يضعف الاهتمام بالمخرجات والنتائج.
* عدم توافر معايير أو مقاييس لتقدير تكاليف الخدمات المؤداة للمواطنين.
* صعوبة تقييم كفاءة الأداء للمنظمات ذاتها لفقد سبل التقييم الحيادية.
* الانطلاق في تأدية أنشطتها من منطق السلطة وليس منطق الخدمة العامة.
* عدم استثمار الطاقات البشرية على النحو الأمثل.
سمات الإدارة الحكومية المتطورة
* إدارة لها أهداف واضحة ورؤية استراتيجية مدروسة تحدد منهجها وطريقها إلى المستقبل.
* إدارة توظف الهياكل التنظيمية لخدمة أهدافها، لا لزيادة سلطتها وهيمنتها.
* إدارة مرنة تتجه إلى التجديد والتطوير المستمرين.
* إدارة تعتمد العنصر البشري المتميـز أساساً للعمل.
* إدارة تستخدم أساليب قيادية إيجابيـة لتنميـة قدرات الأفراد و تمكينهـم من المشاركة في اتخاذ القرارات.
* الإدارة تغلب منطق التكليف على منطق التشريف.
* إدارة تتعامل بمنطق السوق أكثر من منطق السلطة.
* إدارة تهتم بتنمية فرص التعاون والتكامل بين وحدات الإدارة العامة.
* إدارة تنمي الشعور بالمسؤولية الاجتماعية لدى أعضاء المنظمـة كافــة.
* إدارة تنمي مشاركة المستفيدين بخدماتهـا في تسيير شؤونها.
يشكل تطوير ثقافة إدارية وتنظيمية متطورة داخل أجهزة الحكومة أكبر تحد إداري يواجه خطط التنمية، وهو موضع اهتمام خطتي التنمية الأخيرتين الثامنة والتاسعة، ويبقى التنفيذ. وبالله التوفيق.
* متخصص في الاقتصاد الكلي والنقدي والمالية العامة، وكبير اقتصاديين سابق في وزارة المالية.