«نعم للمساجد».. حملة سويدية لخلق قاعدة لإيواء وقبول الآخر «1»

بما أن أجواء العيد ما زالت حاضرة، أود تخصيص هذه الرسالة للعيد في السويد وأعرج على معانيه كما أفهمها ومن وجهة نظر شخص يكن للإسلام ولنبيه وقرآنه كل الاحترام والتبجيل. وبهذه المناسبة أهنّئ قرائي الكرام بعيد الفطر أعاده الله على المسلمين بجميع أطيافهم باليمن والخير والبركة.
ولكن قبل الولوج في الموضوع أستميح قرائي الكرام عذرا لورود خطأ في الآية القرآنية من سورة العلق في رسالة الجمعة الماضية والتي كان يجب أن تكتب «كلا إن الإنسان ليطغى». ربما شوقي الكبير وولعي المتزايد بهذه السورة وبحثي المستمر عن سبب استهلال القرآن بكلمة «اقرأ»، حيث ترد مرتين وكلمة «علّم» التي ترد أيضا مرتين إضافة إلى كلمة «يعلم» وكلمة «القلم» رغم أن المتلقي كان أميا, جعلاني أغوص مرة أخرى فيما وراء النص بشكله المكتوب إلى عالم المعنى.
وسورة العلق سورة مكية آياتها 19 . يا ما أذهلتني الآيات الخمس الأولى. إنها عشرون كلمة فقط ست منها تدعو نبي الإسلام الأمي إلى القراءة والعلم ودور القلم فيهما. الخطاب القرآني عالم خاص ومن وجهة نظري المتواضعة قلما استوعبه على حقيقته البشر من ضمنهم أتباعه. وسنأتي بعون الله إلى ذلك عمّا قريب.
وعيد الفطر يأتي بعد صيام رمضان، والمسلمون في جميع أرجاء المعمورة ينتظرون هذا الشهر بفارغ الصبر ويلتزمون به وبإرشاداته، كما وردت في القرآن. وبعد أن ترك المسيحيون صومهم الأربعيني صار الصوم في الإسلام ورمضانه ظاهرة فريدة ترقى إلى مصاف المعجزات في العصر الحديث.
وللصوم في السويد ودول شمال أوروبا طعم خاص، لا سيما إذا وقع رمضان في فصل الصيف. ففي شمال السويد قد لا تغيب الشمس عدة أيام وضع نفسك مكان السويدي المسلم عزيزي القارئ. عندما بدأ رمضان هذه السنة كان على معظم المسلمين السويديين الصوم لأكثر من 17 ساعة في الأيام الأولى منه.
ورمضان سويد والعيد الذي يعقبه أصبحا كالمناسبات الوطنية. شركات الاتصالات تخفض أسعار المكالمات الهاتفية، ولا سيما الدولية منها. أما المخازن, الكبيرة والصغيرة منها, تبدع في تخصيص أجنحة خاصة لعرض البضاعة الرائجة لدى المسلمين.
وهذا ليس غريبا على بلد يدعو المسؤولون فيه الحكومة والمسلمين إلى بناء جوامع أخرى لاستيعاب الأعداد المتزايدة من المصلين. وهذا أتى على لسان منى ساهلين, التي تقود المعارضة حاليا ويتوقع أن تقود البلد في غضون سنة من الآن، حيث تشير الاستطلاعات إلى ازدياد شعبيتها وحظوظها في الانتخابات المقبلة.
وكأن السويد ليس فيها جوامع، وكأن السويد مثل باقي الدول الأوروبية، حيث تدور معارك سياسية وإعلامية طاحنة حول حجم ومساحة وعدد الجوامع وفيما إذا كان سيسمح ببنائها أصلا أم لا، وفيما إذا كان سيسمح ببناء المنارات أم لا ومقدار ارتفاعها.

الحملة في السويد ليست «لا للجوامع» بل «نعم للجوامع» طالما أن المسلمين في السويد يحترمون خصوصية وشفافية وإيواء وتسامح وقوانين البلد الذي أواهم واحتضنهم.
والازدواجية في الفكر والعمل هي أكثر ما يسيء إلى الإسلام وقرآنه في بلد مثل السويد. القرب من الإسلام وتعاليمه وفكره وقرآنه مطلع عليها غالبية السويديين. والفضل في ذلك يعود إلى أنّا ليند وزيرة الخارجية السابقة التي أغتيلت في عام 2003.
هذه الوزيرة هي التي كانت وراء كتاب «لقاء مع الثقافة الإسلامية» والذي يوزع على كل تلاميذ الصفين الأول والثاني من المدارس الثانوية مجانا. وهو متوافر على الشبكة العنقودية في ثلاث لغات – السويدية والعربية والإنجليزية.
ومنذ صدوره بدأ الناس هنا يفهمون كثيرا عن الإسلام وعن فكره المتسامح القائم على قبول الآخر وحرية العبادة ونبذ العنف وقتل الأبرياء. وأخذ السويديون ينظرون إلى المسلمين من خلال مبادئ الإسلام السمحة وروح الإخاء ومساعدة المحتاجين والفقراء والمعوزين والمستضعفين من خلال الإحسان والزكاة وعدم ازدراء الجنس البشري بسبب الدين واللون والمكانة الاجتماعية والمادية.
ولهذا كان لرمضان والعيد مكانة خاصة في الإعلام السويدي. فصور آلاف المسلمين الذين اكتظت بهم جوامع استكهولم والساحات والشوارع المحيطة بها وهم يؤدون صلاة العيد خاشعين ومنكبين على وجوههم احتلت مكانا بارزا في الصحافة.
تديّن المسلمين السويديين بدأ يأخذ بألباب الشعب السويدي. ولكن هذا الإعجاب والتقدير مرهون بتنفيذ مبادئ الإسلام المتمثلة في إمكانية العيش والمشاركة في مجتمع لا يقبل الإسلام كدين ولكن يجلّ مبادئه السمحة ويمنح أتباعه ذات الحرية والمرونة والانفتاح والشفافية التي يتمتع بها أي سويدي آخر.
المسلمون يأخذون بألباب المجتمعات التي يعيشون فيها بسلوكهم، وكلما ازدادوا قربا من المفاهيم الإسلامية الحقيقية تقربت إليهم الشعوب غير المسلمة التي يعيشون فيها.
وإلا كيف نفسر قول الصحافة السويدية والمسؤولين السويديين إن الـ 50 جامعا الموجودة في استوكهولم العاصمة غير كافية وأن المسلمين السويديين كان عليهم في هذا العيد استئجار قاعات المدارس والملاعب الرياضية وأماكن عامة لإقامة الصلاة.
50 جامعا فقط في استوكهولم! وهناك خطة لبناء جوامع أخرى! المسلم السويدي والبوذي السويدي واليهودي السويدي والمسيحي السويدي متساوون في الحقوق والواجبات. إن كان يحق للمسيحي أن يبني كنيسة يحق للمسلم أيضا أن يبني جامعا. ما لا يستوعبه السويدي هو كيف يستطيع شخص باسم الإسلام الاعتداء على أتباع ديانات أخرى في بلدان إسلامية كالعراق مثلا؟
أو كيف باستطاعة المسلمين استخدام ثقافاتهم الإسلامية المختلفة بعضها عن بعض – وهذا جزء من التكوين الحضاري للإنسان وإنسانيته – في الدعوة إلى محاربة الطرف الإسلامي الآخر لا بل إبادته.
نقع في إحراج كبير نحن المتشبعون بالحضارة والثقافة العربية الإسلامية عندما نواجه بمثل هذه الأسئلة ولكن أنّا ليند قد ساعدتنا في الدفاع عن الإسلام بالقول: «إن الإسلام الحقيقي غير ذلك».
وإلى الملتقى في الأسبوع المقبل،،،

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي