رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


معايير القبول في الجامعات أكاديمية أم إدارية؟!

انتهى موسم القبول في الجامعات بعد ولادة عسيرة تمت عبر مراحل متعددة حرصا على تحقيق العدالة بين المتقدمين. وعلى أنه من الناحية الإجرائية الفنية يمكن وصف عملية القبول بالكفؤة، إلا أنها بكل تأكيد لم تكن فاعلة، إذ إن المعيار العام للقبول كان عاليا ونسبة المقبولين لمجموع أعداد الخريجين من الثانوية العامة هذا العام أقل من ذي قبل حتى وإن بدا رقم الطلاب المقبولين كبيرا. الحقيقة المرة أن هناك أعدادا من الطلاب والطالبات ممن نسبهم تفوق 80 في المائة وحتى 90 في المائة لم يوفقوا في الحصول على قبول في أي تخصص! هذه حقيقة حتى وإن كان من الصعب تصديقها وفهمها وتقبلها في ظل الرخاء الذي يعيشه التعليم الجامعي باتساع وتزايد عدد الجامعات والكليات والتخصصات. قد يتبادر للذهن أن مرد ذلك الحرص على الارتقاء بجودة التعليم الجامعي عبر التشدد بمعايير القبول التي تمايز بين مستويات الطلاب والطالبات وتصنفهم وتوجههم نحو التخصصات التي تناسبهم، لكن ليس من المقبول ومن غير المعقول ألا يجد بعض خريجي الثانوية مقاعد في الجامعات ونسبهم فوق المتوسط أو أن يقبلوا في كليات خارج مدنهم مثل تلك الطالبة التي تسكن مدينة الدمام وتم قبولها في النعيرية، التي تبعد 250 كيلو مترا! ولم أكن لأصدق ذلك لولا أن والدها فاتحني في أن أشفع لها لتحويلها، وللأسف لم أتمكن! لأن نظام القبول يتعامل مع الطلاب والطالبات كأرقام تضاف لإحصائيات القبول لتنجو الجامعات الحكومية من الضغوط والمطالب الاجتماعية، فهي أنشئت في المقام الأول لتحقيق المصالح العامة وتقديم خدماتها لجميع خريجي الثانوية دون استثناء. هناك اتجاه يقول إنه ليس بالضرورة أن ينخرط جميع طلاب الثانوية في الجامعات، وهذه مقولة صحيحة ولكن آلية تحديد ذلك تأتي عبر قياس قدرات ورغبات الطلاب والطالبات ومستوى الدخل المتوقع لكل مسار مهني، إلا أنه يخشى أن معايير القبول هي معايير تعجيزية للحد من دخول الجامعة وليست معايير أكاديمية تحدد قدرات ورغبات الطالبة والطالب وتوجههم نحو التخصصات المناسبة. الأدهى والأمرّ أن كليات خدمة المجتمع التي تتم الدراسة فيها برسوم لم تعد تستوعب جميع الراغبين في الالتحاق بها، والذين لم يحالفهم الحظ في القبول في كليات الجامعة.
شيء عجيب وغريب أن يتقدم بعضهم للدراسة برسوم دراسية في كليات المجتمع الحكومية ومع هذا لا يتم قبولهم، أي إحباط هذا للطلاب والطالبات وأولياء أمورهم، وما تبعاتها النفسية والاجتماعية وإفرازاتها الاقتصادية والأمنية والسلوكية. إنه أمر جد خطير فبين الطموحات والأماني التي تضخها الإعلانات عن إنشاء الجامعات وتوسعها وبين واقع حال البعض الذين لم يجدوا مقاعد في الجامعة هوة كبيرة تطيح بآمالهم، وبدون الأمل، يصبح الشباب والشابات بلا مستقبل ويتحولون إلى خطر داهم على أنفسهم وعلى المجتمع، ونسلمهم لما لا تحمد عقباه من تعاطي المخدرات وانقيادهم للفكر المنحرف والإرهاب والسلوكيات الطائشة. إن عدم توفير مقاعد للدراسة الجامعية حتى ولو برسوم تتناسب مع متوسط دخل المواطنين ينم عن تفكير إداري بيروقراطي متقوقع لا يستطيع رؤية المستقبل ولا استشفاف المنفعة الجماعية، ولا خلق أوضاع تكون مربحة لجميع الأطراف. معالجة مشكلة القبول تحتاج إلى خطط استراتيجية وإعداد مسبق على الأقل بعشرين سنة وليس الركض في كل اتجاه قبل بدء القبول بأسابيع! وبعدها يكون هم الجامعات الإعلان عن أرقام هي للاستهلاك الإعلامي وتبريرات واهية لعدم توسعها وتطورها بمعدل يتناسب مع تزايد أعداد الخريجين وتطلعات ولاة الأمر والمسؤولين في وزارة التعليم العالي.
الجامعات منظمات حية أو هكذا يفترض والدليل على حياتها هو نموها وتطورها وتفاعلها مع المجتمع وقدرتها على الاستجابة لمتطلباته كما ونوعا وموضوعا. كما أنه دليل على قدراتها القيادية ورؤيتها المستقبلية وخططها الاستراتيجية، ويختزل ذلك حرصها واستعدادها ليس لمواجهة التحديات وتوقع المستجدات والتعامل مع المتغيرات وحسب ولكن صناعة المستقبل وتشكيله. ما يحدث في الواقع هو ردات فعل وإطفاء للحرائق هنا وهناك. أعلم أنه لا يمكن قبول جميع الخريجين لأنهم ليسوا بنفس مستوى القدرة والرغبة للدراسة الجامعية، ولكن يمكن منحهم الفرصة لمعرفة ذلك بأنفسهم عبر قبولهم في السنة التحضيرية فمن يثبت نفسه يواصل ومن يعجز يخرج عن قناعة وتجربة وقد أقيمت عليه الحجة. هذا سيؤدي إلى التنافس بين الطلاب والحرص على تحقيق أعلى الدرجات وفي الوقت ذاته إجراء يسهم في تغيير سلوك الطلاب والطالبات ويضعهم على المحك. ومن تجربتي في التدريس الجامعي لما يقرب من 30 سنة أستطيع القول إن هناك نسبة كبيرة من الطلاب الجامعيين الذين لم تكن نسبهم في الثانوية عالية، إلا أنهم تمكنوا من تطوير أنفسهم والجد والاجتهاد حتى حققوا معدلات عالية وتفوقوا على أنفسهم وعلى أقرانهم! لقد كنت وما زلت أرى أن الجامعة المكان المناسب لتطوير قدرات ومهارات الشباب والشابات، وأنه ليس منطقيا أن نعلق إخفاقات تأهيلهم ومنحهم فرصة التعلم على تدني مستوياتهم في الثانوية. إذ إن مسؤولية أعضاء هيئة التدريس الرئيسة في الجامعات الارتقاء بفكر وميول وسلوك الطلاب والطالبات وتغييرهم للأفضل. هذه المهمة الأهم والأصعب للجامعات، فإذا تم رفض الأقل مستوى وقدرة فهذا يعني رفض الأكثر احتياجا للانخراط في التعليم الجامعي لصقل موهبته واستكشاف قدراته وتقويم سلوكه وتطوير مهاراته. كل ذلك على افتراض أن التعليم العام على مستوى عال من التأهيل وتطوير للقدرات الذهنية والسلوكية للطلاب والطالبات، ولا يعتمد على التلقين وحشو أكبر كمية من المعلومات في عقل الطالب والطالبة. مهمة الجامعات الإسهام في التنمية الوطنية عبر التعليم والتدريب والاستشارات المهنية والدراسات الميدانية. هذا يتطلب نظرة شاملة ونظاما يربط بين هذه المكونات لتحقيق الأهداف الوطنية الاستراتيجية. أخشى أن التعليم الجامعي أصبح متطلبا اجتماعيا أكثر منه مهنيا، وبالتالي ينظر إليه كضرورة فردية أكثر منها اجتماعية. هذا التصور الضيق للتعليم الجامعي يلقي بظلاله على العملية التعليمية برمتها ويقطع الاتصال مع منظمات الأعمال الحكومية والخاصة، موظفي مخرجات التعليم الجامعي. هذا ما يجعل البعض يروج لمقولة مواءمة مخرجات التعليم الجامعي لسوق العمل وهي مقولة غير صحيحة، وذلك لسببين رئيسيين، الأول أن ثقافة العمل في معظم المنظمات الحكومية والخاصة تفتقد تطبيق المعايير المهنية، وبالتالي لا يتم توظيف الخريج المناسب في المكان المناسب بل يتم الأداء حسب معايير إدارية بيروقراطية روتينية. الأمر الآخر هو أن الهيكل الاقتصادي الوطني، فيما عدا بعض الصناعات البتروكيماوية والبترولية هش، لا يعتمد على الصناعات التحويلية ومولدات الدخل العالية، وبالتالي لا يتطلب مهارات ومعارف خريجي الجامعات بل العمالة غير الماهرة هذا الوضع الإداري الصناعي يقلل من أهمية المهارات التي يتعلمها الطالب والطالبة في الجامعة ويرسل برسالة في أن المهم هو وثيقة التخرج وليس المعرفة والمهارة المكتسبة.
كل ذلك يلقي بظلاله على عملية القبول لتتحول إلى عملية إدارية بيروقراطية ضيقة النظرة محدودة التأثير، وليس على أساس معايير أكاديمية تتصل بتنمية الموارد البشرية تسهم في تحقيق التنمية الاجتماعية والاقتصادية وتستجيب للمعطيات والمستجدات وتتصدى للتحديات على الساحتين الداخلية والخارجية!

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي