يوم للمراجعة واستعراض شامل لبرامج التنمية
من أهم الأوامر الملكية التي أصدرها الملك عبد العزيز ـ طيب الله ثراه ـ على طريق بناء الدولة الحديثة هو الأمر الملكي المهم جداً الذي صدر في عام 1932, الذي غير بموجبه اسم مملكته السعودية الفتية من المملكة الحجازية النجدية وملحقاتها إلى اسم المملكة العربية السعودية, الذي كان تعبيراً صادقاً وأميناً عن الوحدة الشاملة في البلاد والعباد .
وعلى كر الأيام أصبح هذا الاسم التليد والجميل غالياً على قلوبنا ونفوسنا جميعاً حتى أصبح اسم المملكة العربية السعودية غرة في جبين العالم العربي والإسلامي ومثلاً يحتذى ويقتدى.
كان الملك المؤسس يهدف من وراء هذا الأمر الملكي الكريم إلى أن يكون هذا اليوم الوطني في هذا البلد الأمين هو يوم المراجعة وكشف الحساب، أي في هذا اليوم من كل عام يجب أن نتوقف ونستعرض الإنجازات ونقارن بين إنجازات عام مضى وانقضى، وإنجازات عام تال وقادم، بمعنى أن اليوم الوطني ليس يوماً للتعبير عن الفرحة الرومانسية العابرة، إنما هو يوم للمراجعة واستعراض شامل لبرامج التنمية، ومن حق المواطن أن ينظر إلى الوراء من أجل أن يتقدم خطوات أكبر إلى الأمام، ويسأل: ما حجم إنجازات العام القادم وما البرامج المعدة لعام قادم يليه؟
إذا كنا نريد أن نستعرض ما أنجزناه في العام الماضي والعام الذي سبقه، فإننا نستطيع القول إنهما من أعظم الأعوام التي مرت على تاريخ المملكة الحديثة، ويجدر بنا أن ننوه بأنه في العامين الماضيين 2007 و2008 شهدت المملكة عدداً من المشاريع الاستراتيجية التي ستضع المملكة في مصاف أكثر الدول تحقيقا للتنمية والبناء.
وإذا كان حجم الإنجازات في العام القادم الذي يليه بحجم إنجازات عام 2007 و2008 نفسه فإن المملكة ستنتقل بالفعل إلى مصاف الدول الناشئة، أي أنها ستقف جنباً إلى جنب مع البرازيل والهند وكوريا الجنوبية وسنغافورة وماليزيا وتركيا.
وبهذه المناسبة فقد احتلت المملكة المركز الـ 13 على مستوى العالم في تقرير ممارسة أنشطة الأعمال الذي صدر أخيرا عن مؤسسة التمويل الدولية والبنك الدولي وهو يغطي 183 دولة في العالم. وكذلك أشار التقرير السنوي الذي صدر عن اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لدول غرب آسيا التابع للأمم المتحدة (الأسكوا) إلى أن المملكة تصدرت المركز الأول على جميع الدول العربية ومنطقة الشرق الأوسط ، واحتلت المركز الأول في الحصول على الاستثمارات الأجنبية بنسبة 76 في المائة من إجمالي الاستثمارات الأجنبية الواردة إلى منطقة الأسكوا في عام 2008، ومن ناحية أخرى, فقد صرح الدكتور إبراهيم القاضي كبير مستشاري هيئة الاتصالات وتقنية المعلومات بأن قطاع الاتصالات وتقنية المعلومات سجل أعلى معدل لأسرع القطاعات الاقتصادية نمواً في المملكة, وذلك بنسبة 9.3 في المائة.
وربما يكون من المناسب أن نستعرض بإيجاز ـ لضيق المكان ـ التقدم الهائل الذي تحقق في المجال التقني, وهو الجانب الأساس في عمليات التطور والتقدم القادم.
نستطيع القول إن السعودية تتجه اليوم لخيار اقتصاد المعرفة، لأنه الحل الحتمي للخروج من تعليم الصيغ المعلبة إلى مجالات التعليم الرقمي واسع الأرجاء، وتدفع حكومة خادم الحرمين الشريفين المجتمع السعودي إلى هذا الاتجاه، ويقف خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز شخصيا خلف هذا المشروع الذي أسس من أجله مدينة الملك عبد الله بن عبد العزيز الاقتصادية في ثول, ثم أسس جامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية لتكون أكبر جامعة في هذا المجال في منطقة الشرق الأوسط.
إن مدينة الملك عبد الله الاقتصادية هي القاعدة التي سينطلق منها اقتصاد المعرفة ليقود عمليات البناء في كل مجالات الحياة السعودية، كما أن جامعة الملك عبد الله ستكون منارة تشع على كل الجامعات السعودية وتأخذ بيدها لتعميم التطور الرقمي في جميع مجالات العلوم والتقنية، ووسط هذه الإنجازات على طريق اقتصاد المعرفة ترتفع أعمدة مكتبة جامعة الملك عبد الله بشراكة أعلى مؤسستين ثقافيتين في العالم, هما اليونسكو والكونجرس.
أمّا مدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية فقد بدأت تتغير عندما بدأت تعلن عن مشاريعها التكنولوجية العملاقة, حيث كشفت النقاب أخيرا عن مشروع سعودي عملاق بتعاون ألماني يستهدف تصنيع طائرة هليوكوبتر للاستخدامات المدنية ويبدأ إنتاجها في غضون ثلاث سنوات من خلال تقنيات النانو، وذهبت مدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية إلى أبعد من ذلك, حيث وقعت مجموعة من الاتفاقيات مع مؤسسات علمية وشركات ألمانية يتم بموجبها تحقيق التعاون التقني والتصنيع المشترك للمروحيات والسيارات والمركبات الدقيقة والحساسة التي تعمل عبر الحاسبات الآلية، ولا شك فإن مدينة الملك عبد العزيز مقبلة على تطور نوعي في مشاريعها المستقبلية.
وفي هذا الاتجاه شهدت الساحة الرقمية في المملكة في العام الحالي عدداً من المؤتمرات التي تعزز ثقافة المجتمع الرقمي، فنظم معهد الملك عبد الله لتقنية النانو، وهو أحد المشاريع العصرية التي خرجت من الفكر الجديد في جامعة الملك سعود، مؤتمراً بعنوان المؤتمر العالمي لصناعات تقنية النانو. وباختصار شديد فإن مصطلح النانو مصطلح قياسي قدره واحد على المليار من المتر، ينطلق من أن المواد لها خواص متفوقة على ذاتها كلما صغر حجم تصنيعها، وبالتالي يمكن الحصول منها على خواص خارقة كلما تناهى صغرها، ولذلك فإن النانو يهدف إلى التعامل مع المادة في أدق مقاييسها, ما يفتح آفاقا كثيفة وجديدة أمام التصنيع الناني الذي ستكون له الكلمة العليا في عصر العولمة.
ومن حسن الطالع أن التقدم في مجالات التعليم التقني والإلكتروني بين شرائح الشباب بدأ يتمحور في آفاق الجامعات السعودية، وعندما تصل مخرجات التعليم في الجامعات السعودية إلى مستوى ما يسمى القوة الناعمة التي تقوم على بناء النظريات وتصميم النماذج والقوانين المؤدية إلى التغيير باتجاه الكبار، طبعاً يحدث هذا فقط حينما تتحول القوة الناعمة من ثقافة مجتمع الاستهلاك إلى ثقافة مجتمع الإنتاج.
وبصورة عامة نستطيع القول إن جيل الشباب اليوم يعبر عن نفسه بالصوت والصورة عبر استخدامات واسعة للإنترنت وتقدم ذكي في مجالات النانو المختلفة، وأصبح قادراً على امتلاك الوسائل السمعية والبصرية التي تجعله قادراً على استخدامات الإنترنت فائقة السرعة.
وإذا استعرضنا كل دول العالم المتقدم كاليابان وأمريكا وبريطانيا وألمانيا .. نجد أن القوة الناعمة هي التي صنعت التقدم وهي التي حققت النقلة من العالم المتخلف إلى العالم المتقدم.
إذن نحن نتطلع إلى أن نحتفل باليوم الوطني في كل عام قادم وقادم بدفعات من القوى الناعمة التي ستجعل من احتفالنا باليوم الوطني معنى كبيراً يترجم تطلعات المؤسس الملك عبد العزيز ـ يرحمه الله ـ إلى حقائق على الأرض.