معايير الاقتصاد الجديدة في استهلاك الوقود «كافي» في الولايات المتحدة
متطلبات متوسط معايير الاقتصاد في استهلاك الوقود في قطاع السيارات اقترحت لأول مرة في الولايات المتحدة في عام 1973. حيث إن قانون سياسة ترشيد استهلاك الطاقة عام 1975 حدد معايير كفاءة الوقود لسيارات الركاب على مراحل بدءا من عام 1978. هدف القانون إلى رفع هذا المعيار للسيارات والشاحنات الخفيفة معا إلى نحو 25 ميلا للجالون. وقد تم تحقيق هذا الهدف في منتصف الثمانينيات من القرن الماضي.
أحد الجوانب المهمة اليوم في سياسات الدول الغربية في مجال أمن إمدادات الطاقة، حماية البيئة وتقليل تأثيرات التغير المناخي وبالتالي تقليل استهلاك النفط، هو تحسين معايير الاقتصاد في استهلاك الوقود وخصوصا في الولايات المتحدة.
في هذا الصدد سنت الولايات المتحدة قانونا في كانون الأول (ديسمبر) 2007 يعرف بقانون استقلال وأمن إمدادات الطاقة EISA. عمد هذا القانون إلى إدخال تغييرات كبيرة على متوسط معايير الاقتصاد في استهلاك الوقود، أو ما يعرف بـال «كافي» CAFE. متوسط معيار «كافي» الآن للسيارات والشاحنات الخفيفة معا نحو 25 ميلا للجالون، يهدف القانون إلى رفع هذا المعيار من المستويات الحالية إلى 35 ميلا للجالون بحلول عام 2020. هدف الـ 35 ميلا للجالون بحلول عام 2020 يمثل متوسط زيادة سنوية في كفاءات السيارات الجديدة بحدود 3.4 في المائة سنويا، اعتبارا من عام 2011 ـ السنة الأولى من تطبيق المعايير الجديدة.
ولكن في الأسبوع الماضي فقط نشرت إدارة الرئيس أوباما التفاصيل النهائية لخططها لرفع مستوى معايير الاقتصاد في استهلاك الوقود للسيارات والشاحنات الخفيفة. التفاصيل الأخيرة للمعايير الجديدة – التي أصلا كشف النقاب عنها في أيار (مايو) الماضي – قد شملت تقديم الأهداف السابقة لمتوسط معيار «كافي» أربع سنوات بالمقارنة بالجدول الزمني السابق. الموعد النهائي للوصول إلى هذه المعايير هو الآن في السيارات المصنعة في عام 2016 بدلا من عام 2020. حيث أوصت كل من وكالة حماية البيئة ووزارة النقل رفع معيار «كافي» إلى 35 ميلا للجالون الواحد بحلول عام 2016. وسيعرض هذا المقترح على الجمهور على مدى الـ 60 يوما المقبلة. في هذا الجانب، أكدت وكالة حماية البيئة ووزارة النقل أن هذه المبادرة تمثل المعيار الأول من نوعه في الولايات المتحدة لمعالجة موضوع تغير المناخ وانبعاث الغازات الدفيئة. حيث يهدف القانون أيضا إلى تحديد متوسط مستوى انبعاثات غاز ثاني أكسيد الكربون (CO2) بـ 250 جرام غاز لكل ميل من أسطول المركبات الخفيفة المصنعة في عام 2016. من المتوقع أن يحد هذا الإجراء من انبعاثات غاز CO2 من أسطول المركبات الخفيفة بنحو 21 في المائة بحلول عام 2030 مقارنة بالسيناريو المرجعي. من المتوقع أن تقلل المعايير الجديدة من انبعاثات الغازات الدفيئة بما يقرب من 980 مليون طن متري، وتوفر في الوقت نفسه في المتوسط أكثر من ثلاثة آلاف دولار من تكاليف الوقود على مدى العمر الافتراضي للمركبات. كما توقعت الوزارة أن التدابير الجديدة يمكن أن تقلل من استهلاك النفط بحدود 1.8 مليار برميل على مدى عمر البرنامج. لكن بعض المختصين في هذا المجال وخبراء شركات صناعة السيارات يتوقعون أن الامتثال إلى المعايير الجديدة يمكن أن يضيف أعباء جديدة على شركات صناعة السيارات الأمريكية التي هي في الأصل تعاني أزمة مالية حادة.
إن إدارة اللجنة الوطنية لسلامة المرور على الطرق NHTSA، التابعة لوزارة النقل في الولايات المتحدة، هي الجهة الحكومية المسؤولة عن تنظيم معايير الاقتصاد في استهلاك الوقود وإصدار التعليمات والقوانين التفصيلية اللازمة لتنفيذها. بموجب الخطة الجديدة، سيارات الركاب الجديدة التي تباع في الولايات المتحدة ستحتاج إلى تحقيق 39 ميلا في الجالون بحلول عام 2016 مقارنة بـ 27.5 ميلا للجالون في الوقت الحاضر. أما الشاحنات الخفيفة ستكون في حاجة لبلوغ 30 ميلا في الجالون في الموعد نفسه، في مقابل ما متوسطه نحو 23 ميلا للجالون اليوم. التعليمات الجديدة ستتم على مراحل، بدءا من السيارات والشاحنات المصنعة في عام 2012، مع متوسط زيادة سنوية في كفاءات السيارات الجديدة في حدود 5 في المائة سنويا حتى عام 2016.
لكن السؤال المهم في هذا الصدد هو كيف ستتمكن صناعة السيارات من تلبية المتطلبات الجديدة في معايير الاقتصاد في استهلاك الوقود؟
حسب المختصين في صناعة السيارات، أكثر من 87 في المائة من طاقة الوقود المستهلك في السيارات يفقد عادة، الغالبية العظمى منه يفقد عن طريق الاحتكاك وفقدان الحرارة في المحرك نفسه وكذلك من خلال تعطيل المحرك. هذه الخسائر في الطاقة تمثل فرصة وإمكانية كبيرة لتحسين كفاءة الوقود على نطاق محركات الاحتراق الداخلي للسيارات. في الواقع، كان هناك توافق بين المختصين في مجال النقل وصناعة السيارات على أن المعايير الجديدة في استهلاك الوقود يمكن أن تتحقق باستخدام تقنيات صناعة السيارات الحالية. لكن تحقيق ذلك سيكون مكلفا، حيث سيحتاج إلى تكاليف إضافية قد تصل إلى عدة آلاف من الدولارات للمركبة الواحدة. من أجل تحقيق المعايير الجديدة في استهلاك الوقود والأهداف الجديدة من انبعاثات الغازات الدفيئة، سيكون لازما على صناعة السيارات البحث عن التقنيات المتاحة ذات التكلفة المتدنية لتحسين الاقتصاد في الوقود والانبعاث.
في هذا المجال على الأرجح، سيكون التركيز على إدخال تحسينات على محرك الاحتراق الداخلي الحالي، كذلك زيادة استخدام التقنيات الأكثر تقدما في مجال ناقل الحركة، مثل استخدام ناقل للحركة ذي ست سرعات أوتوماتيكية وناقل للحركة ذي قابض مزدوج. كما أن خفض وزن السيارة وحجم المحرك أيضا سيكون له دور في ذلك. على سبيل المثال، يمكن لمحرك ذي أربع أسطوانات مع الشحن التوربيني توفير طاقة مشابهة لتلك التي في محرك من ست أسطوانات. كذلك، هناك عدة خيارات لتصميم المحركات المتقدمة، مثل السيطرة على عمل الأسطوانات، واستخدام الصمام المتغير التوقيت والحقن المباشر للبنزين، مثل هذه التقنيات من شأنها أن تحسن كل منها الاقتصاد في استهلاك الوقود بين 3 و7 في المائة وذلك بتكلفة منخفضة نسبيا. إضافة إلى ذلك، زيادة استخدام الوقود الحيوي سيعود بفوائد كبيرة على صناعة السيارات لتحقيق المعايير المطلوبة من الـ «كافي». لكن، تطبيق تقنيات وقود الديزل على نطاق واسع، على الرغم من أنها شائعة الاستخدام وأثبتت نجاحها في أوروبا، سيكون له تحديات كبيرة في الولايات المتحدة بسبب لوائح الانبعاث الأكثر صرامة نسبيا. بينما إمكانات الجيل المقبل من التقنيات، مثل السيارات الهجينةhybrid وخلايا الوقود، يجمع خبراء صناعة السيارات على أنها لن تصبح تنافسية في الموعد المحدد.